أبي المعالي القونوي

113

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن

ثمّ إنّه لم يكن بدّ من حافظ يحفظ الحدّ الفاصل بين الشطرين ، ويمنع الشطر المنفصل من الامتزاج والاتّحاد بما انفصل عنه بعد التعيّن والامتياز ، ليبقى الاسم « الظاهر » وأحكامه على الدوام ، ويستمرّ نفاذ حكم التجلّي الإيجادي والحكم التعيّني ، فإنّه إن لم يكن ثمّة حافظ « 1 » يمنع ممّا ذكرنا « 2 » اختلّ النظام ؛ لأنّ في الممتاز المنفصل ما يطلب الغيب الأوّل طلبا ذاتيّا ، فإنّه معدن الجميع ، والأشياء تحنّ إلى أصولها والجزئيّات إلى كلّيّاتها ، فكانت الأحديّة نعت ذلك الحدّ المشار إليه ، فهو معقول غيبي لا يظهر له عين أصلا وهكذا كلّ فاصل يحجب « 3 » بين أمرين إنّما يظهر حكمه لا عينه ، وكان الحافظ لهذا الحدّ هو الحقّ ، ولكن من حيث باطن الاسم « الظاهر » وهي النسبة الباقية منه في الغيب الذي به صحّ بقاؤه ودلالته على المسمّى الذي هو الباطن أيضا . سرّ الإنسان الكامل وهذه النسبة الباطنة من الظاهر لا تقبل الانفصال من الغيب . فإنّها عبارة عن الأمر الجامع بين الظاهر والباطن المطلق ، والفعل والانفعال ، والطلب والمطلوبيّة ، ولهذه النسبة وجه يلي الظاهر ، ووجه يلي الباطن المطلق ، فأحد وجهيه « 4 » يلي الإطلاق الغيبي والآخر له التقيّد والتعدّد الشهادي . فأشبهت الهويّة التي انفصل منها الشطر المذكور من حيث اتّحاد الشطرين في الأصل وكون التغاير لم يكن إلّا بالامتياز وهو نسبة عدميّة ، لا أمر وجودي ، فتلك الحقيقة الحافظة المذكورة هي مرتبة الإنسان الكامل الذي هو برزخ بين الغيب والشهادة ، ومرآة تظهر فيها حقيقة العبوديّة والسيادة ، واسم المرتبة بلسان الشريعة العماء ونعتها الأحديّة ، والصفات المتعيّنة فيها بمجموعها هي الأسماء الذاتيّة ، والصورة المعقولة - الحاصلة من مجموع تلك الأسماء المتقابلة ، وأحكامها ، والصفات ، والخواصّ اللازمة لها من حيث بطونها - هي الصورة الإلهيّة « 5 » المذكورة . وهذه الأسماء وما يتلوها في المرتبة من الأسماء الكلّيّة لا ينفكّ بعضها عن بعض ،

--> ( 1 ) . ق : حافظه . ( 2 ) . في بعض النسخ : ذكر . ( 3 ) . ق : يحجر . ( 4 ) . ق : وجهة . ( 5 ) . ق : الألوهية .