أبي المعالي القونوي

108

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن

والجعل عن حسن المؤاتاة التامّة للفاعل على ما يريد إظهاره بها ، وهنا سرّ جليل إن بحثت عليه « 1 » وصلت إليه - إن شاء اللّه تعالى - وإذا تقرّر هذا ، فلنرجع إلى ما كنّا بسبيله من كشف بدء الأمر وتفصيله ، فنقول : فشاهد الحقّ بالنظر المذكور على النحو المشار إليه كمالا آخر مستجنّا في غيب هويّته غير الكمال الأوّل الوجودي الذاتي الوجوبي ، وإذا رقيقة متّصلة بين الكمالين اتّصال تعشّق تامّ ، فكان ذلك الكمال المستجنّ كمال الجلاء والاستجلاء الآتي حديثه ، فاستدعت واستتبعت تلك النظرة العلميّة المقدسّة عن أحكام الحدوث من حيث النسبة الشهوديّة التي لمّا ظهر تعيّنها عندنا فيما بعد وعقلت ، عبّر عنها بالاسم « البصير » - انبعاث تجلّ غيبي آخر ، فتعيّن ذلك التجلّي لنفسه - منصبغا بصبغة « 2 » حبّية متعلّقة بما شاهده العلم - يطلب « 3 » ظهوره ، وذلك لتقدّم مرتبة العلم على مرتبة المحبّة ؛ إذ المجهول مطلقا لا تتعلّق به محبّة أصلا ، كما أشرنا إليه في الطلب الأسمائي والكوني « 4 » في كتاب مفتاح غيب الجمع « 5 » . ولمّا لم يكن في الغيب إلّا ما هو معلوم للحقّ ومشهود له ؛ لإحاطته بالأشياء وارتسامها في ذاته كان ذلك تقدّما بالنسبة ، والمرتبة كتقدّم الإرادة على القدرة ونحو ذلك ، فنظير العلم في ذلك نسبتا « 6 » حكمه وحكمته اللذين كانت الرؤيتان منّا - البصريّة ، والعقليّة - مظهرين ونظيرتين لهما . فعلم أنّ حصول المطلوب يتوقّف على تركيب مقدّمتين ؛ إذ الواحد من حيث وحدانيّته وفي مقام أحديّته لا ينتج غيره ، ولا تظهر عنه كثرة ، فلا يصحّ معه إلّا هو فقط ، وعلم أنّ الكمال المطلوب لا يظهر بدون الكثرة ، فعلم أنّ ما لا يحصل المطلوب إلّا به فهو مطلوب . ولم يتعيّن من مطلق الغيب حالتئذ إلّا مقدّمة واحدة وهي التجلّي بالباعث الحبّي ، فلم ينفذ الحكم ؛ لما ذكرنا من سرّ الوحدانيّة ، وسرّ « 7 » الغنى الذاتي الغيبي الوجودي أيضا الذي له السلطنة حالتئذ ، والإحاطة بما ذكرنا من النسب .

--> ( 1 ) . كذا في الأصل . والأنسب « عنه » . ( 2 ) . ق : بصفة . ( 3 ) . ق : بطلب . ( 4 ) . ق : والكوني و . ( 5 ) . المقصود منه كتاب مفتاح غيب الجمع والوجود الذي شرحه ابن الفناري . ( 6 ) . في الأصل : من نسبتي حكمه وحكمته . ( 7 ) . ه : لسرّ .