أبي المعالي القونوي

106

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن

ليتمّ التنبيه عليهما ، فلا يخفى حكمهما بعد ، فنقول : الكثرة على قسمين : أحدهما : كثرة الأجزاء والمقوّمات التي تلتئم فيها « 1 » الذات كجزئي المادّة والصورة ، أو الجوهر والعرض بالنسبة إلى الجسم على اختلاف المذهبين ، وكالأجناس والفصول بالنسبة إلى الأنواع الحاصلة منهما ، وبالجملة ، كثرة يفتقر إليها أوّلا ؛ ليتصوّر حصول الشيء منها ثانيا . والقسم الثاني : كثرة لوازم الشيء وهو أن يكون للشيء « 2 » الواحد في نفسه الوحدة الحقيقيّة ، أو المركّب من أجزاء أو مقوّمات تلزمه بعد وجوده - كيف ما كان - معان وأوصاف في ذاته ، ولا تكون ذاته ملتئمة منها ، سواء كان في نفسه ملتئما من غيرها أو لم يكن بل تتبع ذاته ضرورة ووجودا بحيث لا يتصوّر وجود ذلك الشيء أو تعقّله إلّا وتلزمه تلك المعاني ، كالستّة - مثلا - التي لا يتصوّر وجودها إلّا أن تكون زوجا ، لا أنّ الزوجيّة جزء من أجزاء الستّة ، بل هي لازمة لها لزوم اضطرار وتأخّر في الرتبة تتضمّن « 3 » أيضا معقوليّة النصف والثلث ، والفرديّة التي في الثلاثة والخمسة وغير ذلك . ومن هنا يتنبّه الفطن الذي لم يبلغ درج التحقيق لمعرفة سرّ الإحاطة مع كون المحيط ليس ظرفا للمحاط به ولا المحاط به جزءا من أجزاء المحيط ، وكون الصفات اللازمة للواحد غير قادحة في أحديّته وغير ذلك . سرّ الغيب والشهادة وحيث وضّح ما رمت التنبيه عليه من سرّ الوحدة والكثرة ؛ ليكون معرفتهما عونا على فهم ما أذكره في سرّ بدء الأمر الذي هو مفتاح الكتاب الكبير المسمّى بالعالم ، ليتدرّج منه إلى معرفة نسخته ونسخة النسخة ، حتى يحصل الانتهاء إلى النسخة الأخيرة التي هي الفاتحة [ التي يكون ] المراد بيان بعض أسرارها كما سبق الوعد ، فنقول : اعلم ، أنّ الحقّ سبحانه نظر بعلمه الذي هو نوره في حضرة غيب ذاته نظر تنزّه في الكمال

--> ( 1 ) . ق : بها . ( 2 ) . ق : الشيء . ( 3 ) . ق : أيضا وتتضمّن .