أبي المعالي القونوي
102
اعجاز البيان في تفسير أم القرآن
ولا بغيره ، ثم أوجد العالم على نحو ما علمه في نفسه أزلا ، فالعالم صورة علمه ومظهره ، ولم يزل سبحانه محيطا بالأشياء علما ووجودا كما علم وأخبر وفهّم . وكلّ ما ظهر فإنّما ظهر منه ؛ إذ لم يكن لغيره وجود مساوق لوجوده ، كما أخبر الصادق المصدّق صلّى اللّه عليه وآله بقوله : « كان اللّه ولم يكن معه شيء » « 1 » . وقد أخبر سبحانه عن نفسه ناعتا لها ، فقال : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ « 2 » ونبّه في موضع آخر من كلامه على صفات كماله ، فقال : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ « 3 » . فعلم المحقّقون من خاصّته ، والمعنيّ « 4 » بهم من أهل قربه وكرامته بما كشف لهم ، وأطلعهم عليه من أسرار وجوده أوّلا ، وربما أخبر ثانيا : أنّ المراتب - وإن كثرت - فإنّها ترجع إلى هاتين المرتبتين وهما : الغيب والشهادة والحقيقة الجامعة بينهما ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك . فكلّ شيء فله ظاهر وهو صورته وشهادته ، وباطن وهو روحه ومعناه وغيبه ، فنسبة جميع الصور - على اختلاف أنواعها الخفيّة والجليّة - إلى الاسم « الظاهر » المنعوت بالشهادة ، ونسبة جميع المعاني والحقائق المجرّدة التي هي أصول لما ظهر من الصور الجزئيّة المتعيّنة ، أو أسباب أو شروط كيف شئت « 5 » قلت إلى الغيب والاسم « الباطن » . وكلّ شيء موجود فهو من حيث معناه أو روحانيّته ، أو هما معا متقدّم على صورته ، تقدّما بالمرتبة والشرف ، وله درجة الأوّليّة باعتبار . وللصورة من وجه آخر تقدّم على المعنى والروحانيّة ولو من حيث التقدّم العلمي ؛ فإنّ العلم بالجزء متقدم على العلم بالكلّ ، والعلم بالظاهر متقدّم على العلم بالباطن وشرط في معرفته ، ومن حيث إنّ الأرواح الإنسانيّة إنّما تتعيّن بعد الإنشاء المزاجي وبحسبه أيضا ، فظهر أنّ كلّ واحد من الصور والحقائق الباطنة أوّل من وجه وباعتبار ، وآخر أيضا من وجه وباعتبار .
--> ( 1 ) . طبقات الشافعية ، ج 3 ، ص 364 . ( 2 ) . الحشر ( 59 ) الآية 23 . ( 3 ) . الحديد ( 57 ) الآية 3 . ( 4 ) . ق : المعتني ، ه : المغني . ( 5 ) . ق : شئت و .