أبي المعالي القونوي

10

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن

وأمّا نسبته من القدرة فمن حيث كونه من باب التأثير الإلهي والكوني آلة ، ولهذا كان الإيجاد موقوفا على قول « كن » معنى أو صورة أو هما معا لا محالة ، واشتقّ له اسم من الكلم - وهو التأثير - تنبيها على هذا السرّ الخطير . ثمّ سرى الحكم في كلّ كلام صادر من كلّ متكلّم أن لا يظهر إلّا بحكم النسب المذكورة ، منصبغا بما انطوت عليه السريرة ، واقتضاه حكم الصفة الغالبة على المتكلّم حين الكلام والسيرة ، وسيتلى عليك من أخباره ، ما يكشف لك « 1 » عن سرّ مراتبه وأحكامه وأسراره « 2 » . ثمّ إنّ الحقّ - سبحانه وتعالى - جعل العالم الكبير الأوّل من حيث الصورة كتابا حاملا صور أسماء الحقّ وصور نسب علمه المودع في القلم الأسمى ، وجعل الإنسان الكامل - الذي هو العالم الصغير من حيث الصورة - كتابا وسطا جامعا بين حضرة الأسماء وحضرة المسمّى ، وجعل القرآن العزيز [ شارح ] خلق المخلوق على صورته ، ليبيّن به خفيّ سيرته ، وسرّ سورة مرتبته ، فالقرآن العزيز هو النسخة الشارحة صفات الكمال الظاهر بالإنسان ، والفاتحة نسخة النسخة القرآنيّة من غير اختلال ولا نقصان ؛ وكما أنّ كلّ نسخة تالية هي مختصرة الأولى ، كذلك كانت الفاتحة آخر النسخ العلى . والكتب الإلهيّة الكليّة خمسة على عدد الحضرات الأول الأصليّة . فأوّلها الحضرة الغيبيّة العلميّة النوريّة المحيطة بكلّ ما ظهر ، ولها المعاني المجرّدة والنسب الأسمائيّة العلميّة . وتقابلها حضرة الظهور والشهادة ، ولها ظاهر الوجود الكوني - المسمّى بالكتاب الكبير - وسائر التشخّصات الصوريّة . وحضرة الجمع والوجود والإخفاء والإعلان ، ولها الوسط ، وصاحبها الإنسان . وعن يمين هذه الحضرة الوسطى حضرة بينها وبين الغيب المتقدّم ، نسبتها إليه أقوى وأتمّ ، وكتابها عالم الأرواح واللوح المحفوظ المصون الملحوظ . وعن يسارها حضرة نسبتها إلى الاسم الظاهر - مرتبة الشّهادة - أقرب ، وهي مستوى الصحف المنزلة على الأنبياء والكتب .

--> ( 1 ) . ق : له . ( 2 ) . ق : آثاره .