جلال الدين الرومي
80
فيه ما فيه
وأبصار وأنظار مختلفة أرسل إليك منها نموذجا حتى تتفرج به على هذا العالم . لكن الرؤية ليست بهذا القدر ، لكن الآدمي لا يستطيع تحمل أكثر مما يرى هذه الصفات كلها لدينا بلا نهاية ، لكن نرسل إليها منها بقدر معلوم ، إذن نتمعن كم من آلاف الخلق أتوا إلى الدنيا قرنا بعد قرن وامتلأوا من بحرها وعادوا خاوى الوفاض فانظركم هذه الأهرام من الحواس ، والآن كل من زاد علمه بذاك البحر زاد قلبه طمأنينة على طبق العطارة . تدرك إذن أن العالم قد صدر من دارسك العملة تلك ثم يرجع إليها ثانية إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [ سورة البقرة الآية 156 ] ( إنا ) تعنى أن جميع أجزائنا أتت من العالم الآخر وهو نموذج لذاك العالم ثم يعود إليه من صغيرها وكبيرها وحيواناتها ، لكنها تظهر سريعا على هذا الطبق ولا تبدو بغيره ؛ لأنها عالم لطيف ولا يحيطها النظر أو يحيط عجائبها ، ألا ترى نسيم الربيع حين يظهر تتفرج في الأشجار والخضرة والرياض والرياحين على جمال الربيع عن طريق مظاهره هذى وحين تتأمل في نسيم الربيع نفسه لا ترى شيئا من هذه المظاهر ولا حتى تلك التي ليس بها فرجة ورياض ؛ لأن هذه جميعا ليست من إشعاعه ونوره ، بل هي موجات فيه من الرياض والرياحين ، لكنها موجات لطيفة لا يحيط بها النظر ولا تظهر بغير وساطة ومظهر بسبب لطفها ، كذلك ففي الإنسان هذه الصفات خافية لا تظهر إلا بوساطة باطنية أو خارجية . تظهر بمقالة من الواحد أو ضرره أو عراك آخر ومصالحته . إذا لم تر صفات الإنسان فتتأمل في ذاتك فلا تجد منها شيئا وتظن نفسك خاويا من هذه الصفات وليس أنك تبدلت عما كنت عليه ، غير أنها منك خافية