جلال الدين الرومي
61
فيه ما فيه
الغزال صعقا من قوة الأسد وغاب عن الوعي وسقط أمام الأسد ؛ حينئذ لم يبق غير وجود الأسد وانمحى وجود الغزال . والاستغراق هو أن يجعل الحق تعالى أولياءه لا يخشون غيره خشية تخالف خشية الناس من الأسد والنمر والظالم ، ويكشف عن أن الخوف من الله والأمن من الحق والسعادة والحبور من الحق والطعام والمنام من الله ويظهر الحق تعالى له صورة مخصوصة محسوسة في يقظ العين المفتوحة صورة الأسد أو النمر أو النار حتى يبات معلوما لديه أن صورة الأسد والنمر الحقيقية التي يراها ليست من هذا العالم ، بل هي صورة غيبية صورت له وكذاك يظهر له صورته بجمال عظيم ، وكذلك البساتين والأنهار والحور والقصور والأطعمة والأشربة والخلع والبراق والمدن والمنازل والعجائب المختلفة ، وعلى الحقيقة أنها ليست من هذا العالم بل أن الحق يظهرها في نظرة ويصورها . إذن يعيد يقينا لديه أن خوفه من الله وأمانه من الله وكل الراحات والمشاهد من الله . وخوفه هذا لا يشبه خلق الناس ؛ لأنه يشاهد ما يشاهد بدون دليل ؛ لأن الحق قد أظهر له عيانا أن كل شئ من الله فيدرك فلسفة هذه الحقيقة لكنه يدرك بالدليل أن الدليل لا يدوم والراحة التي تتولد من الدليل لا تبقى ولا تدوم سعادته وفرحه كشأن إنسان أدرك بالدليل أن لهذه الدار بنّاء وأدرك بالدليل أن لهذا البناء عينا وليس أعمى وله القدرة وليس العجز وهو موجود وليس معدوما وهو حي وليس بميت ، وكان سابقا على بناء الدار يعلم كل هذا لكنه يدرك بالدليل أن الدليل لا يدوم وسرعان ما ينسى ، لكن العارفين لما أدوا طاعاتهم عرفوا البناء ورأوا عين اليقين وخلطوا