جلال الدين الرومي
54
فيه ما فيه
صورة السماء والأرض هذه يمكنك أن تنتفع بسببها وحين تتأمل فيها المعنى الكلى ترى تصرف دوران السماء وإمطار السحاب في وقته والصيف والشتاء واختلاف الزمان كله على الصواب والحكمة هذا السحاب الجماد أنى له أن يحب أن يمطر في الوقت المناسب ، وهذه الأرض التي ترى كيف تقبل النبات ويربيه فانظر من يجعل هذه الأشياء تفعل أفعالها عن طريق العالم ، واستمد منه كما تستمد المدد من الكاتب فاستمده من معنى الإنسان ومعنى العالم بوساطة صورة العالم . حين كان الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - يغيب عن وعيه كان يقول كلاما ويقول الله كان الله يتكلم بلسانه من الناحية الصورية لكن لم يكن إذ ذاك مفيقا كان المتكلم هو الله في الحقيقة ؛ لأنه كان قد عرف بدايته وكان جاهلا لا يدرى هذا الكلام الذي يقول آنذاك ولا يعرف عنه خيرا فكيف يتولد منه هذا الكلام الإلهى فيعلم أن ليس هو كما كان في البداية . هذا التصرف حق حتى إن الرسول عليه السلام كان يخبر عما قد غبر على وجوده آلاف من السنين كان فيها أنبياء وأولياء وبما سوف يصير يكون حتى آخر الحياة فقد كان وجوده أقدم من العرش والكرسي ومن الخلاء والملأ ، وهو لا يخبر قطعا عن هذه الأشياء بطريق وجوده الحادث المحدد بزمن حياته بين قومه ؛ لأن الحادث لا يمكن أن يخبر عن القديم إذن فعلم أنه هو ليس الذي يتكلم بل الذي يتكلم هو الله ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى ) . إن الحق منزه عن الصوت والحرف وكلامه يجل عن الحرف والصوت ، لكنه يجرى كلامه على النحو الذي يريد بأي حرف وصوت ولسان . ترى في الطرق ومستراح القوافل أنهم صنعوا فوق حوض المياه رجلا من الحجر أو طائرا حجريا يخرج الماء من فيه ويصب