جلال الدين الرومي

52

فيه ما فيه

أحدهما مطلوبه ومحبوبه والآخر مبغوضا كثيرا عنده ، فيقول صاحب الدار لعبده أعط ذاك المبغوض متعجلا وبلا تأخير صدقته حتى يرتحل سريعا عنا ثم يعد الآخر الأثير المحبوب بأنّ الطعام على وشك النضج فيصبره حتى يأتيه ناضجا . وأحب كثيرا أن أرى الأحباء وأتأمل في النظر إليهم كما يتأملون هم أيضا في النظر إلىّ ، فإذا دقق في الدنيا كثيرا الأحباء في جواهر بعضهم بعضا وأدركوها جيدا فإنهم يتعرفون أحدهم إلى الآخر ويتعارفون يوم القيامة بعجل لما حدث بينهم من قوة تعارف في الدنيا ، ويقول كل منهم للآخر قد كنا معا في الدنيا فيرتبط كل منهم بالآخر وثيق الارتباط ، لأن الإنسان يفتقد سريعا حبيبه ، ألا ترى في هذه الدنيا أن شخصا في نظرك محبوب وأثير كأنّه يوسف يختفى عن نظرك بسبب فعل قبيح منه وتفتقده وتتبدل صورته اليوسفية إلى صورة ذئبية وكما كنت تراه من قبل يوسف تراه الآن ذئبا مع أنّ شكله لم يتغير وعلى نفس الوتيرة التي كنت تراه وافتقدته بسبب فعل عارض حين يأتي يوم الحشر وتتبدل هذه الذات إلى ذات أخرى ؛ فإذا لم تكن تعرفه حق المعرفة ولم تسبر غور ذاته المذمومة والطيبة وهي مستعارة عارضة في كل إنسان والغوص في عين ذاته واليقين من أن هذه الصفات التي يخلعها الناس بعضهم على بعض ليست هي أوصافهم الأصلية . حكوا أن شخصا قال إنني أعرف فلانا من الناس حق المعرفة وأدلى لكم بأوصافه فقيل له اذكرها فقال كان يعمل مكاريا لدى ، وكان له ثوران أسودان ، وكذلك الحال مع الناس الآن كل ما يعرفونه عن الرجل أن لديه ثورين أسودين ويدعون أنهم يحبونه ويعرفونه حق