جلال الدين الرومي

25

فيه ما فيه

فقال : ما دمت قد أبنت عن صفاته الحقيقية السليمة فقل ما هو هذا الشئ . فقال لا بد أنه غربال فقال : أدليت بهذه الصفات الدقيقة التي تحار فيها العقول فكيف فات قوة تحصيلك وعلملك أن قبضة اليد لا تسع الغربال ؟ والآن فمثل هذا حال علماء أهل الزمان الذين دققوا ومحصوا العلوم وتفهموا للغاية الأشياء الأخرى التي تتعلق بهم فأحاطوا بها تمام الإحاطة ما يفوقها أهمية ويزيد عنها اقترابا إليهم وهي الذات الإلهية وذواتهم التي لا يفهمونهما . يحكمون بالحل والحرمة في كل شئ وهذا جائز وذلك لا يجوز وهذا حلال وذاك حرام ولا يعرفون أنفسهم هل هي حلال أم حرام جائزة أم غير جائزة طاهرة أم خبيثة ؟ إذن فهذا التجويف والصفرة والتدوير أمور عارضة إذا ألقيت بها في النار ذهبت بددا وتصفو الذات من كل هذه الصفات وكل ما يؤدونه من العلوم والأفعال والأقوال على نفس الوتيرة ولا تتعلق بجواهرهم التي تبقى بعد كل ذلك . وصفهم كما مر في الحكاية يقولون كل شئ ويشرحون ويحكمون في النهاية أن في قبضة اليد غربالا لأنهم غافلون عن الأصل : أنا طائر بلبل ببغاء لو قالوا لي ترنم بصوت آخر لا أستطيع ؛ لأن لساني نشأ على هذا الصوت ولا أستطيع أن أصيح غيره . إنه أو الأصل قد تعلم صوت الطائر وليس بطائر . إنه عدو وصياد للطيور ، يصفر ويصيح حتى يعدوه طائرا ولو حكموا عليه بأن يصفر بصفير آخر غير صفيره لاستطاع ؛ لأن هذا الصفير عليه عارض وعارية وليس هو ذاته ويمكنه أن يصفر صفيرا آخر ؛ لأنه تعلم أن يسرق بضاعة الناس ويظهر من كل دار قماشا .