جلال الدين الرومي
164
فيه ما فيه
الخير هو ترك الشر فإن لم يكن الداعية شريرا فإنه لن يترك الخير . إذن فإن فاعل الخير والشر ليس شيئين ، كما قال المجوس إن إله الخير ( يزدان ) خالق جميع أنواع الخير ، وإن إله الشر ( أهرمن ) خالق الشرور والمكروهات ، فأجبنا ، إن المحبوبات لا ينفصلن عن المكروهات ؛ لأن المحبوب بدون مكروه أمر مستحيل ؛ لأن المحبوب هو زوال المكروه وزوال المكروه بدون مكروه أمر مستحيل . والسعادة هي زوال الحزن وزوال الحزن بدون حزن أمر مستحيل ، إذن فإنه شئ واحد لا يتجزأ . قلت : طالما لم يفن الشئ لا تظهر فائدته وكذلك فإن الحديث طالما لم تفن حروفه ، لا تصل فائدته إلى المستمع في النطق . وكل من يسئ للعارف فذلك مدح للعارف ، وفي الحقيقة لأن العارف يهرب من تلك الصفة ، كما أن الذم لا يحط على طرفه ، والعارف عدو لتلك الصفة والمسىء لتلك الصفة هو المسيىء لعدو العارف ، وهو مادح للعارف ، وذلك العارف يهرب من مثل هذا الذم ، والهارب من المذموم محمود ( وبضدها تتبين الأشياء ) إذن يعلم بحقيقة العارف من ليس عدوا وليس ذاما ، فأنا مثل بستان نخل وحولى جدار وحول ذلك الجدار زينة وأشواك وكل من يمرّ لا يرى البستان ويرى ذلك الجدار والزينة فيسىء إلى ذلك الجدار حتى يصل إلى هذا البستان فالذم هنا لأنه لم ير البستان ، وبذلك فهو يهلك نفسه . وقد قال المصطفى صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ الضحوك القتول أي ليس لي عدو إلا ويغضب لغضبه ويقتل الكافر بحيله ما حتى لا يقتل الكافر بمئات الحيل ولا شك أنه ضحوك في هذا القتل » .