جلال الدين الرومي
142
فيه ما فيه
وأي عجب في أن يغدو الحمار آدميا ؟ إن اللّه على كل شئ قدير هذا الطفل حين يولد يكون أسوأ من الحمار يمد يده إلى النجاسة ويضعها في فيه ليلعقها فتضربه أمه وتمنعه من ذاك ، لكنّ في الحمار نوع من التمييز ؛ فحين يبول يفتح ما بين قدميه حتى لا يتقطر عليه بوله . فكما أن اللّه تعالى جعل الطفل الذي هو أسوأ من الحمار آدميا ؛ فهو قادر على أنه يجعل الحمار آدميا ولا عجب فعند اللّه لا عجب من أي شئ يوم القيامة تنطق كل جوارح الإنسان كل منها على حدة ، اليد والرجل والجلد . ويتأول الفلاسفة هذا النطق بأن اليد حين تنطق فبواسطة علامة أو أثر عليها يظهر عليها تحل محل الكلام كجرح أو دمل يحدث لليد فيمكن القول إن اليد تنطق وتخبر بأنها أصيبت باحتراق حتى غدت بشكلها ذاك أو بجرح أو سواد فيقال آنذاك إن اليد تتكلم وتخبر بأن سكينا طعنتها أو احتكت بآنية سوداء . وكلام اليد وبقية الجوارح على هذا النحو . ويقول السنة : حاشا وكلا بل إن هذه اليد والقدم تنطقان كلاما محسوسا كما ينطق اللسان وفي يوم القيامة ينكر الرجل أنه سرق فتنطق يده بلسان فصيح : بلى سرقت ومددتنى للسرقة فيتجه ذاك الرجل إلى جوارحه التي نطقت ويقول لها إنها لم تكن تنطق من قبل فكيف تنطق اليوم فتردّ أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [ سورة فصلت : الآية 21 ] ، وينطق اللّه تعالى الأبواب والجدران والطوب والحجر فكذاك أنطقنا كما ينطق لسانك وما هو إلا قطعة من اللحم فأنا يدك ما أنا إلا قطعة من اللحم مثله والمعقول أن ما حدث منه كثير لا يبدو مستحيلا ، ولو أن اللسان عند الحق ما هو إلا وسيلة فلما أمره بالكلام تكلم وينطق لكل أمر وحكم يحكم به تعالى .