جلال الدين الرومي
14
فيه ما فيه
إذا استقمت زال كل أولئك فاحذر أن تقطع رجاءك . ومجالسة الملوك لهذا الوجه ليس يكتنفها خطر ؛ لأن الملك زائل كأي شئ لا محيص من زواله إن عاجلا وإن آجلا . لكن الخطر من مجالستهم يأتي من أنهم إذا تولوا الأمور وقويت نفوسهم وصارت أفاعي فإنّ من صاحبهم وادعى محبتهم وقبل مالهم فلا فوت من الحديث وفق هواهم وحفظ معتقداتهم السيئة وقبولها والعجز عن مخالفتها ، ومن هنا يأتي الخطر لأن فيها إضرارا للدين ؛ لأنك إن عمرت طرفهم تغرب عنك الطرف الآخر وهو الأصل بحيث إذا توجهت إلى تلك الناحية أشاحت هذه الناحية وهي معشوقك ، بوجهها وكلما صالحت أهل الدنيا غضب الله عليك ( من أعان ظالما سلّطه الله عليه ) فحين توجهت شطره ( تبعدت عن إله فسلّطه إله عليك ) . إن الظلم هو إن تبلغ البحر وتقنع منه بغرفة ماء أو سطل وهو يحمل فيه الجواهر وأشياء نفيسة قيمة كثيرة بحيث يبقى حمل الماء منه بدون قيمة ، وكيف يفخر العقلاء بهذه الغرفة من الماء ، وماذا يفعلون بها ؟ إن العالم كله رغوة أو زبد فوق هذا البحر الذي هو ماء علوم الأولياء وأين موضع الجوهر نفسه منه ؟ إن العالم رغوة تمتلئ بالغثاء ، ولكن بدوران الأمواج ومناسبة فوران البحر وتحرك الأمواج تكتسى تلك الرغوة جمالا زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا [ سورة آل عمران آية 14 ] . إذن في قوله تعالى ( زين ) هذا المزين ليس جميلا في ذاته ، بل إن الجمال فيه عارض مكتسب من شئ آخر . إنه ذهب زائف أي هذه الدنيا رغوة زائفة بلا قيمة وقدر وزيناها للناس .