جلال الدين الرومي

128

فيه ما فيه

للكعبة فعندها لا يتسع المجال للخلاف وتعلقهم ذلك ليس هو الكفر ولا الإيمان أي أن ذاك التعلق لا يشوبه اختلاف الطرق الذي قلنا فإذا وصلوا الكعبة انتهى ذاك الجدال والحرب والخلاف الذي كانوا يبدونه أثناء الطريق ، فكان هذا يقول لذلك أنت على الباطل والكفر ويبدي ذلك لهذا نفس الرأي فإذا بلغوا الكعبة بات واضحا لهم أن الجدال كان في الطرق وإن مقصودهم هو شئ واحد كمثال الكأس لو نفخ فيها روح لصار عبدا لصانع الكأس وتعشقه ، لكن الواقع أن هذه الكأس مصنوعة ؛ فبعض الناس يقولون يجب وضعها هكذا فوق المائدة وغيرهم يقولون لا بد من غسل باطنها ، وآخرون يقولون بل يجب غسلها من الخارج ، وآخرون يقولون بوجوب غسلها كلها ، ويقول غير أولئك جميعا لا يجب غسلها ؛ فالاختلاف ناشب في هذه الأمور لكن الجميع متفقون على أن للكأس خالقا وصانعا ، وأنها لم تخلق من غير شئ ، ولا يختلف على هذا الأمر اثنان . والأمر نفسه مع الناس هم محبون للحق تعالى بدواخلهم وبواطنهم ويطلبونه ويحتاجون إليه وينتظرون متوقعين كل شئ منه هو ، ولا يعتقدون بغيره قادرا ومتصرفا . وهذا المعنى ليس كفرا وليس إيمانا وليس له مسمى وهو في الباطن ، لكنه حين يجرى من الباطن نحو قناة للسان ماء ذاك المعنى ويتجمد ويصير نقشا وعبارة يحق عليه اسم الكفر أو الإيمان والشر أو الخير كالنباتات تنبت من الأرض ليس لها صورة في البداية وحين تخرج إلى هذا العالم تبدو في أول الأمر لطيفة رقيقة ويبيض لونها ، وكلما تقدمت خطوة في هذا العالم وأقبلت إلى الحياة غلظت وتكثفت واكتسبت لونا آخر . وحين يجالس