جلال الدين الرومي

120

فيه ما فيه

ويهرب منا . كيف يهرب الوقود من القدر إلا القدر ؟ فهي التي تهرب حين يضيق صبرها ، إذن فهروب الوقود والنار ليس هروبا بل لأنه حين رأى نفسه ضعيفا فإنه يبتعد عن القدر . إذن ففي الحق أن القدر تهرب على كل حال . إذن فهروبنا هو هروبهم ونحن مرآة ، فإن ظهر فيهم هروب ظهر فينا فنحن نهرب من أجلهم والمرآة هي ما يرى الرائي فيها نفسه فإن رأونا لملومين فتلك هي ملالتهم ؛ لأنّ الملل صفة الضعف ، والضعف لا يطيق الملل ، وليس له هنا مجال . حدث أنني كنت أتواضع في الحمام كثيرا للشيخ صلاح الدين فكان الشيخ يظهر في المقابل لتواضعى تواضعا كبيرا ، فشكوت من ذاك فخطر ببالي أنني أتجاوز الحد في احترامى وتواضعى ، والأولى أن يكون التواضع بالتدريج في البداية تمسح على يده ثم على قدميه شيئا فشيئا بحيث تبلغ به ألا يظهر ويتبدى ، وكان هو قد تعود ذاك التواضع فلا يجب إزعاجه وجعله يعوض طاعتي طاعة منه إلىّ بما أنك جعلته يألف ذام التواضع بالتدريج ، وينبغي أن نسلك مع العداوة نفس التدرج مع المحبة والتصرف خطوة خطوة فتبدأ أولا بالتدرج في نصح العدو ؛ فإذا لم يسمع تضربه فإذا لم يسمع طردته . يقول تعالى فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [ سورة النساء : الآية 34 ] وأمور العالم تمضى بهذا النحو . ألا ترى الصلح والمحبة للربيع إن دفئا يظهر في البداية قليلا قليلا ثم يزيد الدفء وانظر أيضا في الشجر كيف تنمو