جلال الدين الرومي

108

فيه ما فيه

معناه ؟ انظر في الآدمي أين صورته ؟ وأين معناه ؟ فلو كان معنى الإنسان هو نفس صورته ما ترك لحظة في منزله . كان مولانا شمس الدين - قدس الله سره - يحكى أن قافلة كبيرة كانت متجه إلى مكان ما فلم يصادفها أرض معمورة أو ماء مشروب فوجدت فجأة بئرا بلا دلو فأتوا بسطل وحبال وأنزلوا السطل إلى مقر البئر فانقطع الحبل وسقط السطل فأنزلوا آخر فانقطع فأنزلوا من بينهم رجلا عقدوه بحبل وهبط إلى البئر فلم يصعد . وكان فيهم عاقل قال اهبط فأنزلوه ، وكان على وشك بلوغ قعر البئر حين ظهرت له سوداة مهيبة فقال العاقل لن أنجو إلا إذا استعملت عقلي وانتبهت إلى نفسي فلأر ما سوف يحدث لي . قالت هذه السوداة أنت أسيري فلا تحاول الفكاك ، ولن تنجو منّى إلا بجواب صائب ولن تفلت منى بشئ غيره فقال سليني ، قالت أي الأماكن أفضل ؟ فقال العاقل في نفسه أنا أسير وعاجز ولو قلت لها بغداد أو غيرها فلسوف أطعن في موضعها قال لها : أفضل الأماكن ما كان للمرء فيه مؤنس ولو كان في قعر الأرض أو حفرة فأر فقالت أحسنت قد نجوت ، أنت الإنسان في هذا العالم قد أطلقت سراحك وحررت الآخرين بسببك ، ولن أقتل أحدا بعد فقد عفوت عن جميع رجال العالم حبّا فيك ، وبعد ذاك سقت أهل القافلة من الماء . والآن فالغرض من هذه الحكاية هو المعنى ، ويمكنك أن تجلى المعنى نفسه في صورة أخرى إلا مع المقلدين الذين يفهمون القصة على ظاهرها ومن الصعب الحديث معهم فلا يمكنهم فهم المعنى نفسه في مثال مختلف أو حكاية أخرى . * * *