جلال الدين الرومي
106
فيه ما فيه
روى أنه في عهد الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - كان من يحفظ من الصحابة سورة أو نصف سورة يعدونه عظيما ، ويشيرون إليه بأصابعهم بأنه يحفظ سورة ، لأنهم كانوا يأكلون القرآن . إن أكل ( منّ ) من الخبر أو ( منّين ) لهو أمر عظيم إلا ممن يجعله في فمه ولا يمضعه ثم يبصقه ، ويمكن أن تأكل ألف حمل من القرآن ألا يقال ( ربّ تال للقرآن والقرآن يلعنه ) في حق من لا يفهم شيئا من معنى القرآن ؟ إلّا أنه يجمل بقوم جعل الله على أبصارهم غشاوة من أجل أن يقوموا بعمارة هذه الدنيا ؛ لأنه إذا لم يجعل بعضهم غافلين عن الآخرة فلن يعمر بهذه الدنيا عمار ، إذن فالغفلة تثير أصحابها إلى التعمير والتشييد . ألا ترى الطفل يكبر بسبب الغفلة وتطول قامته فإذا بلغ أشده واستوى عقلا توقفت قامته عن الطول ؟ ! إذن فسبب العمارة وموجبها الغفلة وسبب الخراب وموجبه الوعي والفهم . ما نقوله هذا لا يخرج عن أمرين : إما أن نقوله بناء على الحسد أو بناء على الشفقة ، وحاشا أن يكون مبعثه الحسد ؛ لأن الحسد لا يجازيه غير الحسد ، ومن أسف فإن قولنا لا يستحق حسدا ؛ فماذا كان دافعه إلا غاية الشفقة والرحمة ؛ لأنى أتوق إلى أن ألفت نظر صاحبي العزيز إلى المعنى . روى أن شخصا تاه في بريه وهو في طريق الحج وغلب عليه عطش عظيم حتى رأى من بعيد خيمة صغيرة وبالية فتوجه إليها فرأى فيها جارية فنادى أنا ضيف فنزل وجلس وطلب ماء فأعطته ماء ، كان تجرعه أشد حرقة من النار وملوحة من الملح أخذ يحرق ما غاص فيه من شفته حتى حلقه . فأخذ هذا الرجل بدافع الشفقة ينصح تلك المرأة بقوله لكم