جلال الدين الرومي
447
المثنوي المعنوي ( معرب الكفافي )
مكتملة . فالديار والقصور الجميلة ، أولم تكن أفكارا عارضة في ضمير المهندس ؟ وكل عمل فنى متكامل ، أولم يكن في أول الأمر خيالا عارضا ؟ فما كان في أول الأمر فكرا مجردا ، أصبح عملا . والزارع حين يزرع يكون دافعه إلى ذلك ما يجنيه من ثمار ، وهذه لا تظهر الا في النهاية . والعالم كله كان عرضا في عالم الامكان ، وفأصبح جوهرا في عالم الوجود . وكل هذه الأمثلة التي ذكرها الغلام تشير إلى امكان حشر الاعمال ، برغم أنها من الأعراض . ولقد أبدع الشاعر في عرض وجهتي النظر ، ودافع عن كل منهما بأسلوب بارع . ومع أنه قد رجح في النهاية رأى الملك ، فهو قد أتاح لكل رأى عرضا جميلا ، ودفاعا حارا . ( 974 ) كان ظهور محمد - وهو الانسان الكامل - غاية لخلق هذا الكون كله . ويروى الصوفية حديثا قدسيا نصه : « لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك » ، وعندهم أن هذا الحديث يعنى أن محمدا هو الغاية من خلق العالم . ( 975 ) هذا البحث والحديث المتبادل بين الملك والغلام كان عرضا يهدف إلى ادراك الحقيقة . وهكذا أيضا قصة الأسد وابن آوى ( من قصص كليلة ودمنة ) ، ان هي الا صورة ، تستخلص منها الحقيقة . ( 976 ) هذا البيت يقبل تفسيرين : أولهما أن البشر قبل أن يخلقوا ، كانوا أعراضا لا وجود لها الا في عالم الامكان . لقد كانوا عدما ، ولم يكن يربطهم بهذا الوجود سوى امكان خلقهم . أما التفسير الثاني فهو أن جميع الناس يخلقون من نطفة لا صورة لها ، ثم يتخذون بعد أن يخلقوا تلك الصورة التي يكونون عليها . وقد يؤيد هذا الشرح أن الشاعر يستشهد هنا بسورة الانسان ، والآية الثانية منها تتحدث عن خلق الانسان من نطفة . قال تعالى : « هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ، انا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا