جلال الدين الرومي

405

المثنوي المعنوي ( معرب الكفافي )

أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك . قال إني أعلم ما لا تعلمون » . ( 2 : 30 ) . ( 173 ) لقد كان في وسع هذه الأرواح أن تطلع على صورة ما يكون من الكائنات . فهي قبل أن تعلق بالأبدان كانت نقية من علائق المادة ، بعيدة عما يعكر صفاء رؤيتها . يروى ابن عربى عن أبي يزيد البسطامي قوله : « لو أن العرش وما حواه مائة ألف ألف مرة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس بها » . ويزيد ابن عربى على ذلك قوله : « وهذا وسع أبى يزيد في عالم الأجسام . بل أقول : لو أن ما لا يتناهى وجوده يقدر انتهاء وجوده مع العين الموجدة له في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس بذلك في علمه » . ( فصوص الحكم ، ج 1 ، ص 88 ) . ويقول الأنصاري : « والنفوس إذا صفت ورقت ، تشبهت بالملا الأعلى ، واتتقشت فيها أمثلة الكائنات ، واطلعت على المغيبات ، وأثرت في السفليات » . ( مشارق ، 100 ) . فإذا كان هذا رأيهم في قلب العارف ومدى احاطته ، فلا عجب اذن أن يكون رأيهم في روح العارف - قبل خلق الجسد - أعظم من ذلك . ( 175 - 176 ) لقد كانت الأفكار تنتقل إلى هذه الأرواح بالهام الهى ، ولم تكن بحاجة إلى وسائل لتلقيها ، كالدماغ والقلب . كما أن هذه الأرواح قد تحقق لها أعظم قدر من الظفر بدون كدح يشبه كفاح الدنيا . وأرواح العارفين تبصر ما وراء الحس . فكل ما تشهده فهو بالنسبة لها فكرة ، لأنها تنفذ إلى حقيقة جوهره . أما الحسيون فان كل ما يشهدونه لا يتعدى الرؤية الحسية بالنسبة لهم . ( 177 ) ان التفكر في صورته المعروفة للناس يرتبط بالماضي وبالمستقبل . أما هذه الأرواح التي تحررت من سيطرة الزمن فلم يعد