جلال الدين الرومي

382

المثنوي المعنوي ( معرب الكفافي )

[ شرح من بيت 1 إلى بيت 150 ] ( 1 ) ذكر الشاعر في البيت الأرض تأخره في نظم الكتاب الثاني من المثنوى ، لكنه يعتذر عن ذلك بأن الحكمة لا بد لها من أن تمكث في فكر الشاعر وقلبه فترة كافية ليستطيع تقديمها سائغة وللعقول والأفهام . ان الدم يحتاج إلى مهلة ليتحول إلى حليب . وكذلك لا بد للحكمة أن تمكث في فكر الشاعر وقلبه فترة كافية قبل ان يستطيع أن يقدم للعقول حكمة روحية لطيفة يستخلصها من تجاربه كما يستخلص الحليب من الدم . والصورة المادية في البيت تشير إلى اقتباس من آية كريمة . قال تعالى : « وان لكم في الأنعام لعبرة ، نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين » . ( النحل ، 16 : 66 ) . ويصدق تصور الشاعر هذا على كل ابداع فنىّ . فلا بد لكل عمل فنى أصيل أن ينضج في نفس صاحبه ، قبل أن يتخذ صورته . فالعجلة والتسرع يهبطان بمستوى الأعمال الفنية . وهناك أعمال فنية عظيمة ثم انجازها في أسابيع قليلة ، ومن أمثال ذلك السيمفونيات الثلاث الأخيرة لموتزارت ( رقم 39 ، 40 ، 41 ) . ولكن هذا الانجاز السريع لا ينفي أن هذا الفنان قد جاشت في نفسه هذه الأنعام فترة طويلة من الزمن ، ولم يخرجها إلى الوجود الا بعد أن نضجت وتحددت معالمها الفنية المتكاملة . ( 2 ) ما لم ترزق الهاما جديدا ، فإنك لن نستطيع أن تستنبط هذه الحكمة الروحية ، مما يحيط بك من مظاهر العالم المادىّ ، فالالهام الروحي هو مصدر المعرفة عند الصوفية . ( 3 ) يرتبط نظم المثنوى عند الشاعر بتلميذه حسن حسام الدين . وكانت عودته اليه - بعد انقطاع - أحد العوامل التي حثت الشاعر على اسئناف النظم . وقد عبر عن هذه العودة بأنها كانت عودة من أوج السماء . وليس في هذا البيت إشارة إلى أحزان حسام الدين من جراء