جلال الدين الرومي

467

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

الافتتاحية كل من ظل بعيداً عن أصوله ، ظل منجذباً لآنات وصوله البيت رقم 4 من الكتاب الأول ) فإن هذه البصيرة التي تنظر إلى أصلها ترى الوجود كله معدوماً ( من عدم إلى وجود ) ومن وجود إلى عدم في دورة متتالية ) وترى هذا العالم محشراً ( هي أقرب إلى فكرة الآكل والمأكول الواردة في صدر الكتاب الثالث ) لكن هذه الحقائق تظل دوماً محجوبة وناقصة في عيون أولئك الذين لم ينضجوا ، إن هذه الحقائق من قبيل نعم الجنان المحرمة على من كتب عليهم الجحيم ، وإن كان الحق سخياً يهب دنياه للكافر والمؤمن ، وهكذا هذه النعمة التي بين يديك ، تكون مرة في فمك ، لأن الشهد الخالص يكون مرّاً في فم من لم يكن نصيباً له ، فالخبيثات للخبيثين ، إن ذلك الذي حرم من شهد الجنان هو ذلك الذي لم يكن وفياً للعهد الذي أخذ عليه في يوم العهد والميثاق ، لقد رجع في الصفقة ومن رجع في صفقته لا بد وأن يخسر كل شئ . ( 836 - 850 ) : تعالوا نتحدث معا بالمنطق الذي تفهمونه : إن إدراك عالم الغيب والبعث إنما يشمل به الله من يكون مشترياً جديراً بهذا السوق وهل تتحرك اليد في التجارة إن لم يكن هناك مشتر ( إن لم يكن ثم طالب فلا عطاء ) إن الأحمق يطوف في السوق وكل همه أن يشاهد البضائع ( أولئك الذين يقفون في الدنيا موقف المتفرجين فلا هم باعة ولا هم مشترون همهم المشاهدة فحسب ) لكن نظرة من يريد أن يشترى تختلف في أنه يميز ويقارن ، يكون بأجمعه منتبهاً إلى ما في السوق من بضائع ، أما المتفرج فهو يمضى الوقت ( يحيا حياته ويمضى عنها دون أن يحس بها ) إنه لا يملك ما يشترى به ، فلماذا يجادل في الثمن إلا من أجل السخرية والاستهزاء ، انه يقيس الربح ، انه لا يتاجر فلا رأس مال له ، وليس لديه أي استعداد لأن يكون ممن تنطبق عليهم الآية الكريمة إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ . . . بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ فإن لم تدفع الثمن وقنعت في هذا العالم بدور المتفرج خسرت كل شئ ، والأمر جد لا هزل فيه ، وهكذا فرأس مال الدنيا معلوم ، ورأس مال