جلال الدين الرومي
592
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
في الصورة نور لكنه في الحقيقة نار . . فابتعد عنه . انظر إلى البصيرة والروح ، التي تكون بنت لحظتها لا ترى إلا الحاضر وإلا اللحظة وإلا المنفعة الحاضرة إنما تتعثر وتسقط على وجهها لأن الحاضر لا يدوم واللحظة لا تستقر ولا تثبت . . انظر إلى ابن لحظته دائما يلهث . . لا يستقر على حال . . يظن كل ما يجده شيئا ثم لا يلبث أن ينصرف عنه . . كأنما يجرى أحد وراءه بسوط . . وفي النهاية يسقط وقد خسر كل شئ . . لكنه غير الباحث عن الثابت . . عن القيمة . . عن خلود الروح بالعلم والعبادة . ( 3228 - 3241 ) : إن حديثي عن رؤية من نوع آخر . . لكن ليست رؤية تلك العين وحدة بصرها الحسى ، إن العين التي تكون خالية من الفضل « النور الإلهي » قد ترى على البعد لكنها مثل رؤية شئ على البعد في النوم . . تماما كالنائم ظمآنا إلى جوار نهر . . فالنور أقرب إليك من حبل الوريد ، ليس بينك وبينه إلا الإخلاص والطلب ومع ذلك فإنك إلى جوار هذا النهر الفياض تنام ظمآنا . . ( تظل متعلقا بالدنيا ) وتسرع في إثر سراب . . أليس نعيم الدنيا كله سرابا ؟ ! ألا يتوقف كل التمتع بالحياة على فترة من الزمن . . وألذ لذائذ الدنيا تدوم متعتها بعض لحظة . . ما أشبه عابد الدنيا بنائم على شاطىء جدول ويحلم بالماء ويسرع خلف السراب . . ويعجب بسعيه ، يجلس متفاخرا متعاظما يضع يده تحت إبطيه ويلعب إصبعيه من بين دخان سيجاره قائلا : لقد بنيت نفسي بنفسي . . منذ سنوات قليلة لم أكن أملك شيئا . . خفف قليلا من غلوائك ربما بعد لحظة تخرج منها عاريا ( ! ! ) هذا تماما ما عبر عنه مولانا في البيت 3230 يجلس أحدهم بين أصحابه . . ها لقد وصلت إلى الماء ، وعندي « خميرة » جيدة . . افعلوا مثلي وأنت في الحقيقة تبتعد عن الماء لحظة بعد لحظة . . الماء تحت قدمك . . وعزمك هذا ورحيلك نحو الماء هو الحجاب الذي يبعدك عن الماء