جلال الدين الرومي
462
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
بيننا ، لكن قابيل قد جن جنونه استدرج هابيل إلى الخلاء وقتله خفية ، وسفك دم إنسان على يد إنسان لأول مرة على وجه الأرض : هذه القصة كما رويت تفهم غالبا على أنها حادثة تاريخية ونزاع بين أخوين حول شهوة ، وخبث جبلة قابيل وطهر جبلة هابيل . . إلى آخره في حين أن جبلة كل منهما واحدة ، كلاهما ولد من أب واحد وأم واحدة وربى في بيئة واحدة وعلى يد مرب واحد لم يكن المجتمع قد تكون بعد وتحول إلى البيئات المختلفة حتى تربى كل واحد بطريقة ، وأولئك الذين قاموا بتحليل هذه القضية علميا ومنطقيا أرادوا أن يستنبطوا هذا المبدأ الذي يريد أن يقول : إن الشهوة أو الغريزة الجنسية هي السبب الرئيسي وعلة العلل في الجريمة والذنب وأن أول دم سفك في التاريخ كان من جراء الشهوة ، هذا صحيح لكن هذا السؤال بقي بلا جواب وهو : لماذا يسقط قابيل فريسة للشهوة ولا يؤثر هذا العامل القوى على هابيل ويدفعه إلى الخيانة وسفك الدماء وقتل أخيه وارتكاب الذنب ؟ ففي هذين الأخوين العدوين ذات واحدة ولهما أب واحد وأم واحدة وبيئة تربية واحدة وبيئة طبيعية واحدة ومدرسة تربوية واحدة وتجربة كليهما واحدة فمن أين هذا التضاد في الخلق والجبلة والسلوك ؟ من هنا ينبغي من الناحية العلمية أن نبحث عن عامل يفسر هذين الشخصين المتناقضين ، . . عامل لا يكون مشتركا بينهما وبالبحث نرى أن العامل غير المشترك في سيرة هذين الأخوين هو نوع العمل ووضع الحياة الاقتصادية لكل منهما فأحدهما راعٍ والآخر زارع ، وهذا الاختلاف جدير جدا بالتأمل . . ماذا يعنى الإنسان الراعي ؟ يعنى إنسان عصر سكنى الخيام والقبيلة إنسان بدائى ، أي إنسان المرحلة التي لم تكن فيها الملكية قد ظهرت بعد ، مرحلة أن البشر يعيشون فيها جماعات في أحضان الطبيعة ويأكلون من مائدة الطبيعة العامة ، كان صيد البر والنهر والغابة هو مصدر الإنتاج ، ولما كان مصدر الإنتاج في الطبيعة السخية البكر موجودا بالتساوي تحت سيطرة الأفراد ، لم تكن