جلال الدين الرومي

446

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

( 1080 - 1088 ) فإذا أنكر عليك أحدهم ما أنت فيه ، وإذا سخر أحدهم من الطريق الذي اخترته . . فدعه يسخر فلطالما سخر المنكرون من الذاكرين ، وطالما سخر الكفار من المؤمنين « وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ » صاروا مادة للضحك والسخرية في بيوت المنكرين ، فسوف يعلم يوم أن تنتهى حياته الدنيا أنه كان في ضلال مبين . أما أنتم أيها المحبون فلتقيموا على هذا الباب الذي فتح لكم اليوم . . فحقيقة أنكم تعيشون مع هؤلاء المنكرين في الدنيا ، لكن ما أشبهكم بتلك الزروع والنباتات الموجودة في البستان لكن لكل منها حوضا خاصا بها ، ولا يمكن أن تزرع نباتا في حوض مخصوص بنبات آخر ، كل نبات يروى مع جنسه ، وكذا الإنسان في بستان الحقيقة يرويه خالقه ، خلقه على أصناف وأنواع منه العاشق ومنه المنكر وكلهم يسقون بماء القدرة والحكمة « وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ » ( الرعد : 4 ) فإذا كنت في حوض الطيبين الأطهار كن طاهرا طيبا ، رب نفسك على الطهر والطيبة حتى تصل إلى المقصود من خلقك في أحسن تقويم إلى الهدف من خلقك وهو العودة إلى الجنة والوصول إلى الملأ الأعلى ، لا تختلط بالأوباش والعوام والكلاب التي تجمعت حول جيفة الدنيا ، وأنا بنفسك عنهم حتى لا تأخذ منهم عدوى الحماقة والانحطاط فالصحبة مؤثرة والطبيعة سارقة ، أنت مودع في مكان وهو مودع في آخر ، فاهجرهم مليا ، وأرض الله واسعة وما هذه الأرض الواسعة التي توصف بأنها أرض الله إلا قلب العارف : أصل أرض الله هي قلب العارف . وهي في اللامكان ولا عال فيها ولا سافل . ولا حد لريعها ولا حصر فأقل حبة تغل فيها سبعمائة حبة .