جلال الدين الرومي
432
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
فترة وجيزة من الزمان ، فإن إطلالة واحدة من الروح تقضى على كل تعلقات البدن تماما كما يجعل الدر المستخرج من قعر البحر الزبد والقذى حقيرين ، ولا قيمة لهما ، إن محبة الدنيا أشبه بذنب العقرب ، فذنب العقرب يختفى في الشمس ، تماما كما تختفى محبة الدنيا عندما تطل شمس الحقيقة . كل هذا حقيقي وكان سليمان عليه السلام يعرف حق المعرفة ، لكنه كان يعرف أيضا الضعف الإنسانى ، وأن ثمة وارد دنيوي واحد ، قد يؤخر الوصول إلى الحقيقة ، وقد يشوش فكر المريد ، ويعطل جمع خاطره ، وكان يريد أن يقدم للمريد العنيد درسا ، إنه يستطع أن يلبى له احتياجاته الدنيوية أيضا في حدود المشروع مهما بدت مستحيلة ، فهو يريد أن يكون العرش إلى جوارها لتتذكر بها أيام ضلالها القديم ، وترى قدر نعمة الله عليها ، تماما كما كان إياز مملوك السلطان محمود الغزنوي المفصل يحتفظ بملابسه أيام الفقر في كوة مختفية بجناحه في قصر السلطان ، وكان يخرجها كل يوم ليتذكر أيام فقره وبؤسه ، حتى يعلم أين كان وإلى أين وصل ( وردت القصة بالتفصيل في الكتاب الخامس أبيات 1857 وما بعدها ) . فلتعلم بلقيس أيضا في أي ابتلاء كانت ، وإلى أين وصلت بعد أن تداركتها رحمة الله . . وهكذا أنت أيضا أيها الإنسان . . لم فخرك وقد كنت نطفة من منى يمنى ثم علقه ، ثم مضغة « ما لابن آدم وللفخر أوله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة » أو كما قال تعالى في سورة المؤمنين » « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً » ( المؤمنون : 14 ) . وهكذا أنت أيها الإنسان : ألم تكن عاشقا لحالة كونك مضغة وعلقة ألم تكن تظن أنه لا حياة خارج هذا المضيق المسمى بالرحم ، ولا طعام سوى هذا الدم . ( انظر تفصيلات هذه الفكرة في الكتاب الثالث شروح أبيات 50 - 62 ) فلماذا لا