جلال الدين الرومي
418
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
حقيقية ، وعظمتهم عظمة حقيقية ، ليس المهم أن تملك ، بل المهم أن يكون في إمكانك أن تملك وأن تزهد في الملك ، كثيرهم أولئك البلهاء الذين يلتقون بهؤلاء الملوك دون أن يغتنموا الفرصة ، إنهم يستكثرون عطاءهم ، مثل ذلك المتسول الذي أعطوه كثيرا من لحم الأضحية فاعتقد أن الأضحية بقرة ، دون أن يعرف أنه هكذا يكون عطاء الملوك . ( 717 - 725 ) : إن مزاولة سليمان للملوكية هي في هذا القبيل ، إنه ملك في المجاز والحقيقة ، ومن ثم فعطاؤه هو عطاء الملوك الحقيقيين إنه يدعو بلقيس وكل من عندها أن يغترفوا من بحر الجود ، إنه يدعوهم إلى عطاء الجنة . . يدعوها لتطلب ويدعو من لا يطلب لكي يضم طلبه إلى طلبها . . هكذا فأساس العطاء الطلب . . ادعوني استجيب لكم . . . لا تستكبر عن الدعاء ( الطلب ) لكي يكون الفتوح . ( 726 - 730 ) : ليست بلقيس ببدع في الملوك الذين تركوا الملك الصوري من أجل الملك الحقيقي . . فكثيرون هم الذين أشرقت عليهم هذه اللحظة فبدلتهم تماما ودلتهم على الطريق . . وكما يكون في الأنبياء . . يكون في الأولياء وها هو إبراهيم بن أدهم مثال حي على أولئك الذين تركوا العرش المجازى في سبيل العرش الحقيقي ليس هذا فحسب فقد يجلس أحدهم ينظر خلفه عبر رحلة عمره ، فيرى أنه قد أفنى هذا العمر في سبيل أن يكسب الدنيا ، وها هو في سبيله إلى الخروج منها كما دخلها عاريا ، فلا هو اكتسبها ولا هو اكتسب نفسه ، عشرات النماذج تقدمها سير الصوفية في هذا المجال بحيث لا يكاد يوجد صوفي واحد لم يخبر الدنيا قبل أن يسلك طريق الآخرة ، بل عاش معظمهم في حضيضها ، فقد كان منهم قاطع الطريق والغانية والغارق في الفجور حتى أذنيه ، درس تقدمه سير الصوفية ، إن جوهر الإنسان يظل غاليا مهما تمرغ في الطين ، ويستطيع