جلال الدين الرومي

390

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

بالمسك بينما حاله يزداد سوءا ، حتى وصل أحد الكناسين إلى ذلك المكان وفهم حاله ، فأتى بقطعة من براز وجعلها لينة وحكها بأنفه فعاد إليه وعيه وقال يا لها من رائحة جميلة ، كما نظهما العطار في أسرار نامة ( ص ص 61 - 62 من تحقيق سيد صادق كوهرين ) وتشير الحكاية أن الذي يحيا في الدنس ويعتاد عليه ويكون قائما بالفساد لا حياة له إلا به ، تكون حياته في هذا الفساد إن ابتعد عنه مات ، ويكون الجو النظيف وبالا عليه ، وتصدق هذه الظاهرة على النظم أيضا فالنظام الذي يكون قائما على الفساد والنهب يظل بقاؤه ما دام الفساد والنهب قائما ، ومهما تشدق بالإصلاح فإنه أبعد ما يكون عن الإصلاح لأن في الإصلاح موته ونهايته ، فيتردى من فساد إلى فساد حتى يقتله نفس هذا الفساد . ( 276 - 288 ) : التعليق بالطبع من إفاضات مولانا جلال الدين ، فها هو يسوق على لسان أخ ذلك الدباغ الذي أغمي عليه في السوق أن هكذا أوصى جالينوس : « أعط المريض ما اعتاد عليه » لكن هذا القول ليس من أقوال جالينوس ، وهو منسوب إلى أبو قراط ونقله عنه ابن أبي أصيبعة « يتداوى كل عليل بعقاقير أرضه فإن الطبيعة تفزع إلى العادة » ( استعلامى 4 / 302 ) . أو « داوها بالتي كانت هي الداء » ، فإن علاجه بخلاف عادته يزيد من مرضه ، وإن لم تكن تصدق هذا فاقرأ من القرآن الكريم « الخبيثات للخبيثين » واعلم ظهره وبطنه ، أي أعلم أنه وإن كان قد نزل في حالة خاصة هي حالة براءة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من حديث الإفك ، فإنما يقصد أن كل خبيث لخبيث وكل طيب لطيب ، وذلك مصداقا لقوله عليه الصلاة والسلام « اعملوا فكل ميسر لما خلق له » . وكما قال في حديث قدسي : « خلقت الجنة وخلقت لها أهلا وخلقت النار وخلقت لها أهلا ( مولوى 4 / 43 ) » ولا يتواءم الخبيثون مع الطيبات ، أليسوا هم الذين لم يصل عطر الوحي إلى مشامهم ، فقالوا للأنبياء :