جلال الدين الرومي

451

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

أربعين يوما » لكن شتان بين سكر وسكر : سكر الشهوة وسكر الملائكة من مشاهدة الحق ، فسكر المشاهدة يقضى على سكر الشهوة الذي يشبه الماء المالح لا تحس بملوحته إلا إذا جربت الماء العذب ، وخمور السماء أي عنايات الحق تجعلنا في غنى عن أي سكر أو خمر ساق ، ومن ثم فإن الملائكة ورجال الحق ذوى الأرواح الطاهرة ذوو نصيب من هذه الخمر الإلهية بحيث لا يلقون أي بال إلى خمور الدنيا ، وما هي خمور الدنيا ؟ إنها المال والجاه والمقام والمنصب ، أما القانطون والمطرودون من رحمة الله فهم مثل الكفار في القبور « كما يئس الكفار من أصحاب القبور » فقد يئسوا من التوبة تماما ، وكانوا كل ما يزرعونه شوكا ، ومتى ينبت الشوك الثمر ؟ وهل ينبت الشوك إلا الشوك ؟ ( 828 - 839 ) يعود مولانا إلى قصة هاروت وماروت ، لقد أمنا في عصمة الله وثملا بمشاهدة جماله واستبعدا أن يبدر منهما خطأ أو ذنب وعابا وعذلا وتدخلا في ملكوت الله بقولهما ، لو كنا في الأرض لعمرناها بالعدل والعبادة والوفاء ، لكن القضاء الإلهى كان يقول لهما : قفا ، خففا الوطء ، حذار فإن طبيعة الأرض صحراء البلاء ، حذار وامشيا الهوينى ، مفتحى البصر في هذه الأرض التي من طبيعتها قتل الطيبين الأخيار الأطهار ( كربلاء ) ، انظرا إلى الأقوام الذين أهلكهم سيف القهر الإلهى « فأديم الأرض من هذه الأجساد » . . . ومن هنا يقول الله تعالى وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ( الفرقان / 63 ) وفي البيت 835 مزرعة الشوك أي الدنيا ، لكن هاروت وماروت لم يستمعا إلى تحذير القضاء ، فقد كان هناك من الوجد والسكر حجابا على أذانهم ، وهكذا الجميع أغلقوا عيونهم واذانهم ، اللهم إلا رجال الحق الذين تخلصوا من ذواتهم ، وهذا الختم على الأسماع والأبصار لا دواء له ولا علاج إلا العناية الإلهية ، وهذا القهر لا يطفؤه إلا محبة الحق ، ولا جهد هناك يؤدى إلى نتيجة إلا بتوفيق وعناية الحق العالم بالسداد . ( 840 - 845 ) القصة التي تبدأ بهذه الأبيات من قصص القران الكريم