جلال الدين الرومي
25
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
[ ديباجة الدفتر الثالث ] الحكم جنود الله يقوى بها أرواح المريدين ، ينزه علمهم عن شائبة الجهل وعدلهم عن شائبة الظلم ، وجودهم عن شائبة الرياء ، وحلمهم عن شائبة السفه ، ويقرب إليهم ما بعد عنهم من فهم الآخرة ، وييسر لهم ما عسر عليهم من الطاعة والاجتهاد ، وهي من بينات الأنبياء ودلائلهم ، تخبر عن أسرار الله وسلطانه المخصوص بالعارفين ، وإدارته الفلك النوراني الرحماني الدري الحاكم على الفلك الدخاني الكري كما أن العقل حاكم علي الصور الترابية وحواسها الظاهرة والباطنة ، فدوران ذلك الفلك الروحاني حاكم علي الفلك الدخاني ، والشهب الزاهرة ، والسرج المنيرة ، والرياح المنشئة ، والأراضي المزجية ، والمياه المطردة ، نفح الله بها عباده وزادهم فهما ، وإنما يفهم كل قارىء على قدر نهمته وينسك الناسك علي قدر قوة اجتهاده ، ويفتي المفتي مبلغ رأيه ، ويتصدق المتصدق بقدر قدرته ، ويجود الباذل بقدر موجوده ، ويقتني الموجود عليه ما عرف من فضله ، ولكن مفتقد الماء في المفازة لا يقصر عن طلبه معرفته ما في البحار ، ويجد في طلب ماء هذه الحياة قبل أن يقطعه الاشتغال بالمعاش عنه ، وتعوقه العلة والحاجة ، وتحول الأغراض بينه وبين ما يتسرع إليه ولن يدرك العلم مؤثر هوي ولا راكن إلي دعة ولا منصرف عن طلبه ولا خائف علي نفسه ، ولا مهتم بمعيشته ، إلا أن يعوذ بالله ويؤثر دينه علي دنياه ويأخذ من كنز الحكمة الأموال العظيمة التي لا تكسد ولا تورث ميراث الأموال ، والأنوار الجليلة والجواهر الكريمة والضياع الثمينة ، شاكرا لفضله معظما لقدره مجللا لخطره ، ويستعيذ بالله من خساسة الحظوظ ، ومن جهل يستكثر القليل مما يري في نفسه ويستقل الكثير العظيم من غيره ويعجب بنفسه ما لم يأذن له الحق ، وعلي العالم الطالب أن يتعلم ما لم يعلم ، وأن يعلم ما قد علم ، ويرفق بذوي الضعف في الذهن ، ولا يعجب من بلادة أهل البلادة ولا يعنف علي كليل الفهم « كذلك كنتم من قبل ، فمن الله عليكم » سبحانه وتعالي عن أقاويل