جلال الدين الرومي

22

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

بقضية الطغيان ، ويعتبره من أشد أفات النفس فإن قصة موسي وفرعون تجد منه اهتماما خاصا ، لكن موسي وفرعون موجودان في داخلك أيضا ، وإن كان لا يستطيع أن يتحدث إليك مباشرة حتى لا يأتيك النفور من هذا الكتاب ، وأغلب القصص الديني قد سيق بتفسيرات صوفية ، ولا غرو ، فالولي هو وريث النبي ، وعندما ينتهي مولانا من حكاية ما ، ينصرف إلي الحديث عن الدروس المستفادة منها ، وفي تعليقاته عليها يدخل في حكايات أخري ، ويتعامل مع شخوصه تعامله مع شخوص حية ، فيعتذر لها إن نسيها قليلا في تدفقه وانطلاقه في حكايات أخري ، بل ويبدي الشكوى أنه لا يستغرق في الحكايات علي حساب ما يريد أن يتحدث فيه بالفعل ويتدارك فيقول : إنها ليست حكايات ، لكنها تجسيد للحال ، ووصف لحضور صديق الغار ، أو بتعبير الفيلسوف السبزواري شهود لمولانا يجده في هذه الحكايات ، ويقصد بالطبع أن مولانا قد يستغرق في فكرة ما حتى يشهدها مجسدة في شخصيات يبعثها حية ، من القصص الديني ، أو من التاريخ وسير الصوفية ، أو من زواياهم ، وقد ينزل إلي الشارع والواقع المعاش فيقدم قصصا بادية البساطة لكنها تحتوي في ثناياها على أعمق المعاني . ويحذر مولانا من التعلق بظاهر القصص « 1 » ، إنها مجرد صورة فاتخذها صورة وانصرف إلي المعني كما ينصرف المرء من التبن إلى القمح ، وقد تكون الحكاية ساخرة أو مسلية أو جنسية ، لكن ما إلي هذا قصد مولانا مما شرحته باستفاضة ، فاطلبه في شروح هذا الكتاب . وبعد ، فقد قصدت بهذه المقدمة تقديم صورة كلية لهذا الكتاب ، قد يختلف معي كثيرون حولها بعد قراءتهم للكتاب ، فأتركهم إذن وما يذوقون وما يتقبلون ، وقد يغفر لي أخطائي جهدي الذي بذلت ، ولله سبحانه وتعالي الأمر من قبل ومن بعد ، ومنه جل وعلا التوفيق .

--> ( 1 ) البيت 1281 - من هذا الكتاب .