جلال الدين الرومي
16
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
( ب ) العشق أحد مبادئ الاتحاد والفناء ، وهناك قوى جذابة في كل ذرة من ذرات الوجود ، وبها تنجذب العناصر إلى بعضها وتحدث أشكال الحياة وصورها ومن هنا تصبح الحياة كلها تجليا للعشق ، وأمور الكسب فيها قائمة على العشق ، فهو المحرك لكل مظاهر الحياة : « إن لم يكن العشق متى كان الوجود ؟ ومتى رزقك بالخبز ومتى خلقت ؟ - ومن أي شيء صار لك الخبز ؟ من العشق والاشتهاء ، وإلا فمتي كان لك لتنجو بروحك ؟ إن مجرد عشق الخبز ليحي الميت ، ويجعل الحياة باقية فيه « 1 » . وإذا كان العالم الأرضي يحركه العشق لميت فان فكيف لا يحركه العشق للحى الذي لا يموت ؟ « وما أكثر المنعمين الذين يحملون الشوك ، أملا في محبوب قمري الوجه وردي الوجنة - وما أكثر الحاملين الذين صاروا ممزقى الظهور ، من أجل محبوباتهم الفاتنات ذوات الوجوه كالأقمار - وذلك الحداد سود وجهه الجميل حتى يقبل القمر عندما يجن الليل - والسيد مسمر في حانوت حتى الليل ، ذلك أن سروة ممشوقة القوام قد مدت بجذورها في قلبه - وتاجر يمضي في البر والبحر ، لكي يسرع بحب نحو - قعيدة منزل - إن لكل واحد منهم شهوة مع ميت ، أملا فيمن عنده ملامح حي - فكن مجتهدا علي أمل الحي الذي لا يتحول بعد يومين إلى جماد « 2 » . لقد زاول الناس عشقهم مع من مصيره إلى الزوال ، في حين أنهم إن زاولوه مع الحي الذي لا يموت فإن ما يظنونه موتا سوف يكون حياة متجددة ، فالعشق بجذبه يقضي علي كل ما هو زيف في وجود البشر ويقدم لهم بدلا منه حياة جديدة ، « وللعشاق في كل لحظة موت ، وموت العشاق في حد ذاته ليس من نوع واحد - إن له مائتي روح من الهدي ، يضحي بها كلها في لحظة واحدة - وكل روح يأخذها
--> ( 1 ) المثنوى - الكتاب الخامس 2012 - 2014 . ( 2 ) الأبيات 540 - 547 من هذا الكتاب