ابن سبعين

89

رسائل ابن سبعين

واحمل عليها تلك الحلاوة ، يا بغية الخدين ! طال تنبيه الناصح المنبه ، فانتبه ، فإنك بقولك لا بفعلك ولا بمقامك له وبه وقال : قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ [ النساء : 77 ] ، حتى امتحانها وقواطعها . كيف يخاف عرض الفعل من هو جوهر الذات ، وآنيته تالية ، وفي مقابلته الأنموذج المترجم عن القبول ، وبين عينيه نوره الكاشف ورأيه النص على رأس مكانته ، وقلم الظفر يكتب : « الحمد للّه على نعمه » ، ولسان العز يقول : كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا [ التوبة : 40 ] ؟ من قرّ باللّه ينبغي أن يفهم مدلول إيمانه ويحرره بالصدق الرابط لا جزاء علة الوصول ويصرفه في كل أحواله ولا يجتمع من الحلو والمر أعني من المعتقد ، فإن الجميع عن اللّه فقط بل يصير أو يتلذذ ويجمع بين الأحوال المكتسبة والطبيعية والمألوفة الجارية في مجرى المكتسبة ، ثم ينظرها بنظر آخر أقرب من الأول إليه بل بآخر أقرب من الأول إليه ، بل آخر أقرب من ذلك ثم يلاحظ القضايا منه بالفعل ، وإن كان الوهم يمنع ملاحظتها فقد يعلم ويتأنس بالنكتة المرتكزة المؤقتة . من قال : « اللّه معي واللّه شاهدي واللّه حاضري ، واللّه محيط بكل الأكوان » المقدرة والحاضرة والذاهبة وبجميع ما هو من هذا القبيل الذي ينسب بالإضافة إليّ ولا يصح إلا بوهم العبودية كيف يخاف أضعف الأوهام ؟ ارجع البصر كرتين . عجبت من أمرك حتى لا شيء عندي أعجب منه : مرة تتحقق المطلوب وتتشوق إليه وتكون معه بكلك وتحتوي عليها وتستقل أو تستجهل سهل بن عبد اللّه بل سهل بن مالك ، وأخرى تنقلب إلى ضد ذلك كله حتى يستخف منك المضمار على لسان حال سحنون من أتباع مالك . بأي حق تبدل حضرة الحق بحضرة الشيطان ؟ أعني ما الذي حملك على تخصيص الوهم وإهمال الحق ؟ كف عن متابعة التوقع ، واقطع حبل التذلل بمدية التدلل ، واجمع الأشياء إليه واحكم عليها به وانظرها منه ، ولا تنكر اللّه على أي حال كان ، ولا تحب منه البعض وتكره البعض ، أعني من حكمه وأفعاله وما تعلم منه وما هو عليه . باللّه عليك لا تلتفت إلى وهم المبطل المموه الغبي ، فإنه قتيل سنانه ومذموم لسانه ومخزون جنانه وجاهه قد سقط من عين الأمل المحمود سقطا ، ورزقه لو مر عليه الطائر الخائف للقطه لقطا . لا تقل إلى اللّه أشكو بثي وحزني وأنت محمدي الطريق ؛ وافهم ما جاء في قوله : اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [ يوسف : 42 ] من حيث حال يوسف الصديق ، وفكر في فكر أبي بكر الصديق الوقوف مع قوله : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ النساء : 79 ] صرف الوجه عن ملاحظة مقام الدعاء والغبطة بقوله : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ [ الإسراء : 84 ] وقف تردد الذهن في قوله تعالى : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ [ القصص : 68 ] . ومفهوم