ابن سبعين

84

رسائل ابن سبعين

--> قال صاحب عوارف المعارف : « فالصوفية راضوا نفوسهم بالمكابدات والمجاهدات حتى أجابت إلى تحسين الأخلاق ، فنفوس العباد أجابت إلى الأعمال وجمحت عن الأخلاق ، ونفوس الزهّاد أجابت إلى بعض الأخلاق دون البعض ، ونفوس الصوفية أجابت إلى الأخلاق الكريمة كلها » . والثالثة : معرفة كنوز أسرار الذّات العليّة ، وهذه المعرفة خاصة بأكابر المحققين من الأولياء الرّاسخين . وطريق هذه المعرفة لا يكون إلا عن محض المنّة ، وكرامة صاحبها استقامته على نهج الكتاب والسّنة . قال أبو يزيد البسطامي قدّس اللّه سرّه : لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى تربّع في الهواء ، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة ، ولما قصد زيارة ذلك الرجل المشهور بالزهد ودخل المسجد ، رمى ببصاقه تجاه القبلة ، فانصرف ولم يسلّم عليه وقال : هذا غير مأمون على أدب من آداب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فكيف يكون مأمونا على ما يدّعيه ، فاتّباع القدم المحمدي نعمة وأي نعمة ، والزيغ عنه نقمة لا يماثلها نقمة ، فإن شؤم هلاك الدين لا يعادله شؤم ، نعوذ من ذلك باللّه الحي القيوم . وإذا نظرت بعين التحقيق في هؤلاء الزّنادقة المنابذين لأهل الطريق لم تر عندهم غير شقشقة اللسان الخالية عن الدليل والبرهان ، وإذا بحثت مع أحدهم أسفر وجهه عن أخلاق البغال بكلام أبرد من برد العجوز ؛ لتمثله في وصف النعال . ثم قال أيضا : وقد رأيت في بعض الرسائل حديثا مرفوعا وهو : « الشريعة مقالي ، والطريقة أفعالي ، والحقيقة حالي » . وعلى تقدير صحته فالشريعة : البيان ، وهو بالمقال وما ينطق عن الهوى وبالأفعال ، وهو أبلغ فاتبعون يحببكم اللّه ، والحال ما ينتجه البيان فعاد الأمر إليه . قال سيدي محيي الدين قدّس اللّه سرّه في كتاب « التراجم » في باب ترجمة الشريعة والحقيقة : لطيفة : يخيل لمن لا يعرف أن الشريعة تخالف الحقيقة ، هيهات بل الشريعة عين الحقيقة ، وأن الشريعة جسم وروح ، فجسمها الأحكام وروحها الحقيقة ، فما ثم إلا شرع . لطيفة : الشريعة وضع موضوع وضعه الحق في عباده ، فمنه مسموع وغير مسموع ، فلهذا من الأنبياء متبوع وغير متبوع ، وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا [ الأنفال : 21 ] ، كمثل الذي ينعق بما لا يسمع . وقال في فتوحاته في باب الشريعة : الشريعة من جملة الحقائق ، فهي حقيقة لكن تسمّى شريعة ، وهي حقّ كلها ، والحاكم بها حاكم بحقّ مثاب عند اللّه ؛ لأنه حكم بما كلف أن يحكم به ، وإن كان المحكوم له على باطل ، والمحكوم عليه على حقّ ، فهل هو عند اللّه كما هو في الحكم ، أو كما هو في نفس الأمر ؟ فمنا من يرى أنه عند اللّه كما هو في نفس الأمر ، ومنا من يرى أنه عند اللّه كما هو في الحكم . ثم قال بعد كلام طويل : فعين الشريعة عين الحقيقة ، والشريعة حقّ كلها ، ولكل حقّ حقيقة ، فحق الشريعة وجود عينها ، وحقيقتها ما ينزل في الشهود منزلة شهود عينها في باطن الأمر ،