ابن سبعين

82

رسائل ابن سبعين

أعوذ باللّه من عدو اللّه الذي يصد العديم عن طريق الرحيم ، ويحمله إلى حيز اللعين الرجيم ! خطر لي أن أنصحك ، فاقبل نصيحتي . وحاصلها : يا هذا إن استطعت تكمل إنسانيتك وتحررها من رقّ طلب كمالها ، وتجردها بتخصيص مهمل جمالها ، وتحسنها بتفسير مجمل فصولها ، فانقطع في مغارة الفوز حيث انقطع المحققون ، تجد ثمرة الجد التي تثمر الجد وهي واحدة تولد واحدة مثل شجرة الموز ، وهي الإنسان النبيه أنفع من أبيه ، واكشف للعلوم من أبيه ، وبها يحصل المعنى الذي هو المتقدم منه يتلف بوجود المتأخر مثل النبات المسمى قاتل أبيه واصبر على مكابدتها ، ولا تستوحش من وحش حشوها ، ولا تمرح في ميدان البطالة حيث تختبر مطايا الباطل . وفرّ عن فحشها فإن مركوب الهوى يعثر في التلف براكبه ويهوى في الهاوية بصاحبه . واستجلب في تلك الغربة للغريب ، وكلم بالمقرب المقرب القريب ، واعتمد على ما في حاصل جنانك لا على غرب لسانك وبهتان برهانك ، فإن همام الدنيا مهموم ، وذمام العليا فيها عند اللّه مذموم ثم دم على إحسانك وإيمانك ، فكم بين خوفك وأمانك ! وإن أردت تعجيل مدلول هذه الوصية الصالحة التي تجارتها رابحة وسعادتها ناجحة ، وموازين رشدها راجحة تأمل شخوص عين روح حبيب الجليل وانتقال وجه توجه قلب الخليل ، وكيف ثبت ملاحظة هذا حتى وقعت العين على العين ، ولم تحوج إلى الكم والكيف والأين وما اشتغل بمدرك مقدر في البسيط ، أو محمول في المركب . واطلع على الملكوت قبل تصفح أحوال الكوكب والفلك الأطلس والمكوكب ، وكيف استقام تصفح هذا ومتابعة الأشياء العسيرة شيئا شيئا ، وسبر مساحة افتقارها بطول التأمل الخالص المخصص في الطول والعرض حتى حصل الحاصل الأول المعلوم الأول عند الأخير الأول ، فاطر السماوات والأرض ، فأظهر اللّه عبرة الأول لأهل البصائر والسرائر وعبرة الآخر لذوي الأبصار والإبصار بالصنائع لا بالضمائر ، هذا مع الحال والخبر والآخر مع الفكر والأثر ، أدرك آخر أمره أول أمر ذلك ، ولأجل ذلك ما هو كذلك ، ولا يسع لسان الإنصاف إلا أن يقول : يا والداه ! لست من رجاله ، ولا رجالك كرجاله ، هو غريب في مجاله ، وفي أفراحه وأوجاله ، وحقق النظر فيها واحفظ الأثر المسموع من فيها ، وإن هممت بالاستقلال قبل الاعتدال فاعزم على قطع وهم الاختلال ، ولا تضرّ نفسك بمضرتين ، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين . وبالجملة : عليك بالشريعة ، فالسعيد من تعلق بأذيالها ، وزلزل نفسه زلزالها ، وأخرج بالخشية من عينه أثقالها ، ورفع بقوة التبعية عن النسمة أو حالها ، وكان بحيث تكاد فراسته