ابن سبعين
68
رسائل ابن سبعين
شأنهم كله وكيف الأمر فيهم على الإطلاق بالبرهان . وبالجملة : عليك بالحق وفريقه وأهله وطريقه ، فإن الرجال إذا تنوعوا دار الأمر بينهم وفيهم وعليهم . لا زوال للحق ولا شك فيه ، ولا يأخذه النقص ولا يختلف ولا يتغير ، وهو الذي به هو الشيء وما هو ، وهو الشاهد المتفق من جميع جهاته ، وهو هو كما تقدم ، وكل حائر فمن أجله كانت حيرته وفيه وبه ، فافهم . فإنه هو المطلوب وبه يطلب ، ومنه الطالب وله ومنه وعنه الكل . وقد خرج بنا الكلام إلى غير الذي قصدناه فنرجع له بحول اللّه تعالى . حكمة ثامنة : ويقال الفقر هو السلب المنسوب للسالب والمسلوب الذي دار على نقطة وقاره بشأنه وتقديره وقراره ، وخرج عن قدره بمقداره ، ثم أجبر وجبر وطمع في الإيجاب بعد فهم الجواب وكلم مقصوده بلسان ماهيته ومعه بإذن آنيته المكتسبة ، وأبصره بجميع هويته ، فافهم ! حكمة تاسعة : ويقال الفقر هو السكون عند عدم كل شيء يتعلق بمدلول العما ، ويكون من لواحق الغيرية والحركة عند التقدير ، ثم السلب المحض بالإلزام ، فافهم ! حكمة عاشرة : ويقال الفقر هو الذي يحصل للفقير به العلم الذي يدبره ويدبر به ما بعده ومن قبله ، والورع الذي يعصمه وينفعه ويحجزه ، واليقين الذي يحمله ، والذكر الذي يتأنس به . حكمة حادية عشرة : ويقال الفقر هو الذي يكسب الفقير دوام الافتقار للجبان في كل الأحوال وملازمة السنة العربية والقديمة اللازمة عند العادة المشتركة . حكمة ثانية عشر : ويقال الفقر هو الذي تجحد فيه قضية الزمان والمكان . حكمة ثالثة عشر : ويقال الفقر هو المترادف مع الخيرات المطلوبة . حكمة رابعة عشر : ويقال الفقر هو الذي يسبح به في بحر الشرف ، وينسخ العادة بأحكام خرق العادة ، وينسخ مقام الوحشة بالوحدة ، وينسخ مقام الوحدة بالحرية وينسخ الحرية بالعبادة في حال الاتصال بالأدب المستولى ، وينسخ التوكل بالتسليم والتسليم بالتفويض ويترك معقوله في معقوله متحيرا ، وينسخ التفويض بالرضا ، وينسخ الرضا بالتوحيد ، ويقوي التوحيد بالمحبة ويحفظ المحبة بالمعرفة ، ويخلص المعرفة بالمشاهدة ، والمشاهدة بالمقامات الفارطة كلها ، والجميع بالتحقيق ، ويركبها ويسلسلها بالتوجه والبحث والإنابة والأوبة ، ويصرفها بالكلام المقيد بالعبارة والإشارة وبالبعض ، ثم بالدقيقة وبالكل ، ثم باللطيفة وبالمذكور ، ثم بالحقيقة وبالمذكور في المذكور ، فافهم .