ابن سبعين

59

رسائل ابن سبعين

والنوع الثاني أن يعدم ما في طبعه أن يوجد له ، لكن لا في الوقت الذي شأنه أن يوجد له ، مثل عدم الطفل البصر في الرحم ، والأسنان في الشهر الأول من مولده . والعدم بالجملة إما أن ينسب إلى شيء ما في ذاته إذا كان في طبعه ذلك الشيء الذي عدم ، وإما أن ينسب الشيء بالإضافة إلى شيء آخر : إما إلى زمان ، وإما إلى جنسه ، وإما إلى موجود آخر أي موجود اتفق مما يوجد له ذلك الشيء ، وكل ما انتزع من الشيء على جهة القهر فقد عدم ما في طبعه أن يوجد له . وليست المعاني التي تدل عليها حرف السلب على عدد المعاني التي تدل عليها أسماء الإعدام ولا المعدومات ، فإنه يقال : « لا مساويا » لما ليس من شأنه أن يقبل الأصغر والأكبر ، وكذلك يقال : « لا لون » فيما ليس من شأنه أن يقبل لونا البتة مثل قولنا في النقطة إنها لا لون لها . وهذه الإعدام ليس لها أسماء لا معدومه ولا عدمية ، فافهم . والمعدوم هو المنتفي ، وهذا صحيح ؛ لأنه يتميز على الموجود . وقد يقال : المعدوم ما ليس بشيء ، وهذا يطرد وينعكس ، لأن ما ليس بشيء فهو معدوم ، وما هو شيء فليس بمعدوم . فقد صح رسم المعدوم . ويقال : إن المعدوم ما ليس بموجود ، وهذا أيضا صحيح ، لأن كل ما ليس بموجود فهو معدوم ، وما هو موجود ليس بمعدوم . وهذه الرسوم التي ذكرتها لك لا تصح على رأي المعتزلة ؛ لأن عندهم أن العدم شيء ، فوصفوا المعدوم بأنه شيء ، وهذا خروج عن الملة وقول بقدم العالم . والمعدومات كلها على خمسة أضرب : معدوم لم يوجد ويستحيل وجوده مثل شريك للّه تعالى وخلق كلامه وسائر صفاته . هذا معدوم لا يصح وجوده ، وهكذا اجتماع الضدين في محل واحد وكون الشيء في مكانين في وقت واحد . والثاني : معدوم ، وقد يصح وجوده وانقضى ، وهو كل ما كان في العالم من يوم ابتدي إلى يومنا هذا وقد انقضى من تصرفات الخلق . والثالث : معدوم لم يوجد ويصح وجوده ، ولا يدرى هل يوجد أم لا ، مثل مقدورات اللّه تعالى التي يصح تعلق القدرة بها مثل خلق عالم ثان وثالث وغير ذلك مما يصح تعلق القدرة به . والرابع : معدوم يصح وجوده ولا يوجد ، مثل رد أهل النار وأهل المعاد إلى دار الدنيا . ولهذا قال سبحانه : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [ الأنعام : 28 ] ولكنهم لا يردون ، فأخبر سبحانه أنه جائز ردهم .