ابن سبعين
56
رسائل ابن سبعين
فإن الغني المطلق الغنى لا يفعل في ذاته ولا ينفعل لأحد ، ولا يمكن ذلك فيه عزّ وجل ، بل هو الفاعل على الإطلاق في غيره على الإطلاق . ومن حقّق هذا علم أن الفقر معقول الملك والملكوت المضاف والحضرة المنفعلة ، كما أن الغني القائم بنفسه الواجب الوجود هو الملك الثابت ، الواحد بالذات من كل الجهات ، وحضرته هي الحضرة الفاعلة من كل الجهات متنزه العارفين والعالم كله فقير بما فيه من الجسماني والروحاني ، فمن كان بالفقر المذكور فقيرا أو بالغنى المذكور غنيّا ، كان في الفقر المذكور غنيّا . ولعلك يا هذا تقول : العدم لا يفعل ولا ينفعل ولا يشار إليه ، وهو بالجملة غير ثابت لا يدركه الحس ، ولا يتطرّق إليه الوهم ، ولا يدل عليه الدليل ، وأنت قد أطلقته على الفقر وعلى العالم بأسره ، ونحن نشاهده وجميعنا منه وفيه ، وهو هذا المشار إليه والمخبر عنه وبه ومنه وإن أردت بالفقر فقر الإضافة والاحتياج إلى الغنى الحق فهذا ظاهر ومعلوم عند الجميع ، والبيان عن المعلوم ضرب من الجهل وإن أردت بقولك العدم المحض ما لا يمكن وقوعه ، فأنت جاحد الضرورة ، أو مموّه ، أو مباهت أو ممخرق . فإن قلت ذلك وقدر أنك تقوله في نفسك أو في محشرك بين معشرك ، فاسمع جوابك بالقوة ومخاطبتك بالفعل من حيث المضمار والتقدير في جملة هذا التقييد وأضح الآن بسمع قلبك إلى ما أشير إليك به ولعلك أن تجد منه هديا يلقيك على جادة الطريق . وشرطي عليك أن لا يقف عليه إلا من هو من خواص خواص الخواص ، وأن تكف عن السؤال فيه بالمشافهة ، لا تطلب منى مزيد بيان لأن المجال ضيق والتكلم بالألفاظ على أمر هو من الأمور التي ليست من جنس ما يكتسب ، وهو من الغرابة بحيث لا يفهمه إلا السعداء الأخيار ، والكلام بما ليس من شأنه أن يلفظ به خبر وكأني بمن يقف عليه من الجهلة الخفافيش الذين تظلم الشمس والكواكب والأنوار الطبيعية وغير الطبيعية في أعينهم داخل الذهن وخارج الذهن يتحرك في ميدان سخفه ويظهر محاربة من يحيط ويقهره بالجملة ويتحرك في سلسلة جنونه . ويقول لقد أفرطت في تحقيقك وتدقيقك ، وعلّلت وحلّلت وركبت ، وقبضت وأرسلت ، ودفعت وجذبت ، وخصصت وأهملت ، وفسرت وأجملت حتى انخلعت عن غريزة العقلاء ورفضت حكم المعقول ، فإن من أحكام العقل أن الشيء إما واحد وإما كثير ، والمعلوم إما معدوم وإما موجود . فليتئد في غلوائه ، وليكف من غرب لسانه ، وليتهم نفسه وليتعتبر في العادة الخسيسة والشأن الخلف والعالم المحسوس الذي هو بين أطباقه بنحو ما اعتبره المتكلم المذكور