ابن سبعين
54
رسائل ابن سبعين
قال الشاعر : أفي نابين نالهما إساف * تآلت ضلّتي ليست تنام وقد جزر الدهر ما له ، ورجل مجروز ، وقد ضنك عيشة ضنكا وضنوكا إذا ضاق . ورجل وبد ولزق بالصلة والصلت : الأرض ، والصلت : المطر القليل وجمعة صلال . ويقال : قد أصرم الرجل فهو مصرم ، إذا أعدم . والفقر ضد الغنى . وهذا الفقر من حيث اللغة قد رسمت لك منه ما فيه الكفاية ، فاحفظه وحافظ عليه . القول على الفقر على حسب رأي الفقهاء : اعلم أن الفقهاء يتكلمون في الفقر من حيث الأحكام الشرعية ، وينزلون لازمه ومدلوله على مفهومه من اللغة ، ولا يتصرّفون فيه بغير ذلك . والنبيه الفاضل منهم يسلّم لأرباب الأحوال من الفقراء الفضلاء ، ولمن يتكلم فيه من مقام آخر أجل من الفقه . والجاهل الغبي منهم ينكر ذلك ويتخطّى رقاب الصديقين ، ويتدلى طعم شيء لم يذقه ، وكذا جميع من لم تحذقه العلوم ولا أدّبته المعارف . ومنهم من يرى أن المسكين أشد حاجة من الفقير ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وزفر والحسن البصري . ومنهم من يرى أن الفقير أشد حاجة من المسكين ، وهو مذهب الشافعي والنخعي والزهري . وقد حكي ذلك عن سفيان الثوري وعن عمرو بن دينار . واختلف أهل اللغة في ذلك . فحكي عن الأصمعي أنه قال مثل قول الشافعي وجميع من قال بقوله . وعن الفراء وثعلب مثل قول مالك وجميع من قال بقوله . وذكر ابن الأنباري في « الزاهر » عن أعرابي أنه سئل : أفقير أنت أم مسكين ؟ فقال : لا ، بل مسكين ، فنبّه على حاجته بذكر المسكنة . وحكي عن الأصمعي أنه شكّ في الفقير والمسكين هل هما بمعنى واحد ، أو هذا غير هذا ، وفي تغايرهما بحسب الأشد والأضعف والأقل والأكثر . فاستفهم عن ذلك كله بعض العرب وزوجه حاضرة ، فقال له الأعرابي : قال اللّه عزّ وجل : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً [ الإنسان : 8 ] . فقدم المسكين على اليتيم والأسير ولم يذكر الفقير . فقالت زوجه : بل الكل فقراء ، والمسكين فقير الفقراء . وهذا الفقر من حيث الفقه قد تلخص مختصرا فاحفظه وحافظ