ابن سبعين

52

رسائل ابن سبعين

النبيذ وأمثال ذلك ، وهذا هو طريق العزائم ، فأمرك ألا تجنح إلى تأويل مع قدرتك على مثل هذا : أي لا يكون في عمل مشروع ينقضه عليه شرع آخر والشارع واحد ، وأكثر من هذه النصيحة من هذا الرجل في مثل هذا الأمر لا يكون ، واللّه أعلم . قال رضي اللّه عنهم في رسالة القربة : « فاللّه اللّه . لا تنبذوا حكما ولا تعدوا حدّا من الحدود المعلومة عند علماء الرسوم ، وإن اختلفوا في ذلك وحرّم الواحد عين ما حلله الآخر فلا تقلد هذا الرسمي في شيء من ذلك ولا تخالفه ، واعمل بما توجه عليك في وقتك مما فيه سلامتك ، واشتغل بنفسك شغلا كليّا ، واهرب إلى محل إجماعهم ، فإن لم تجد إجماعا فكن مع أكثرهم ، فإن لم تجد كثرة فكن مع أصحاب الحديث في تلك المسألة المطلوبة ، وقلّ أن يحتاج أهل الطريق إلى مثل هذا ؛ لأنهم زهدوا في الدنيا فقلّ الحكم عليهم » . أخبرني شيخنا الشيخ محمد الخليلي حفظه اللّه تعالى قال : كنت أعمل على مراعاة المذاهب ، وأتبع محل الإجماع منها فأعمل به ، فرأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في المنام فقلت : يا رسول اللّه ، هل العمل بالمتفق عليه من شريعتك أولى أو المختلف فيه ؟ قال : فانتهرني وقال : « لا تسأل » . ففهمت منه أنه لم يرض بهذا السؤال ، ثم ألهمت فقلت له : قد فهمت مرادك يا رسول اللّه ، المتفق عليه من شريعتك ، والمختلف فيه من شريعتك ، والكل من عند اللّه ، قال : هكذا قل . . . وما ضلوا به وأضلوا هؤلاء اللئام قولهم : إن الشريعة جعلها اللّه ستارة على الحقيقة لأجل العوام ، وليس المراد من الصلاة إلا الوصلة ، والصيام يراد به الإمساك عن رؤية السوى ، والحج : القصد إلى اللّه ، وعرفات يراد به جبل المعرفة ، واستدلوا على ذلك بعبارات العارفين ، وهم إنما أرادوا ذكر المعنى الباطني ، فإن كل شيء له ظاهر وباطن ، فالمتمسك بالظاهر من النصوص فرقة ضالة يقال لها : « الظاهرية » ، والمتمسك بباطنها فرقة أخرى ضالة يقال لها : « الباطنية » . والجامع بين الظاهر والباطن هم أهل السّنة والجماعة ، الذين فرقتهم لكل خير جامعة ، وكمّل هذه الطائفة هم الصوفية الأبرار والسادة الأخيار . وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا * * *