ابن سبعين

463

رسائل ابن سبعين

للقلوب عن الغيوب وظهرت ، وأفيض عليها من نور الأرواح ؛ فاستنارت القلوب وأشرقت ، وزال عنها كدر الأغيار وصفت ، وانفصل عنها شوبها وتخلصت ، وترك قيد شكل أشكالها وأطلقت ، وألقت السمع وشهدت ما عنه أخبرت ، وطلع منها فجر ليلها وحيعلت ، وتجلى للبصائر مشهودها فأبصرت ، وأمدت البصائر الأبصار بنور شهودها ؛ فرأت الحق ظاهرا في كل مرئي رأت ، فنيت الحوادث ومحقت ، بقيت الباقيات ، والحقائق تحققت ، والتحق الأزل بالأبد ، الملك للّه الواحد الأحد . إلهي ، هذا ذلي في الدنيا بشؤم معصيتي ، وسترك مسدول علي ، فكيف به في الآخرة عند هتك الأستار ؟ ! وهذا سري باد بسوء الحال عليّ ، فكيف به عند كشف الأسرار ؟ ! وها باب التوبة مفتوح وأنت تنادي : هل من تائب ؟ وأنا مقيم باق مع الإصرار ، معلول مكسور ، ما وجدت للعلة دواء ، ولا للكسر جبارا ، ناكس الرأس خجلان بين الصالحين والأخيار ، لا أذني تسمع ، ولا عيني تخشع ، ولا قلبي يحضر ، ولا فكري يرقى ، ولا عقلي يعقل ولا أفهم ، ولا لي اعتبار ، قد غلبتني ذنوبي ، وفتحت وجهي عيوبي ، ماش في الظلم وأهل النور يمشون في الأنوار ، عاجز عن دفع ضر أو جلب نفع ، منقاد لما شئت مني بسلاسل الأقدار ، ما الحيلة في المقدور ، وإذا نزل أصم السمع ، وأذهب العقل ، وأعمى الأبصار ليعلم أن السعادة السابقة لا شيء يرفعها ، والشقاوة اللاحقة لا شيء يدفعها ؛ لأن الأمر نافذ صائب ، على كلا الفريقين حاكم غالب ، لا تنازع الأقدار فتهلك ، ولا تلق نفسك في ضيق هذا المسلك ، فإنه لا منازعة لمن هو غالب قاهر ، ولا مدافعة لمن هو قويّ قادر ، لم يبق إلا التسليم عند تحقيق الغلبة وظهور العجز حيث لم يبلغ الطالب مطلبه . إلهي ، لولا حسن ظني فيك لقطعت المعصية رجائي منك ، ولولا ثقتي بحسن كرمك لأخذ الشيطان زمامي عنك ، عفوك وسيع فلا تعلم له نهاية ، وعزك منيع فلا يوقف له على غاية ، إن أخذت فأنت ذو عز وسلطان ، وإن غفرت فأنت ذو كرم وإحسان ، ولقد غلبت جانب الرحمة ، فلم تقطع رجاءنا منك بما أخبرتنا به عنك ، وفتحت لنا من كرمك بابا وسيطا : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [ الزمر : 53 ] ، كيف نخشى أو نخاف ومن رحمتك أوجدتنا ، وكل موجود يرجع إلى أصله ؟ ! ونحن خلاصة فعلك ، والفاعل حكيم لا يضيع خلاصة فعله . إلهي ، إنا لا نريد المعصية وإن غلبت ، ولا نرضى بها وإن وقعت ، ونرضى بفضلك ولا نرجو سواك ، وعزمنا لا نعصيك وأنت تعلم ذلك منا ، فثبّتنا على ما عليه عزمنا ، وامح عنا ما عنه عجزنا . . . آمين . والحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا