ابن سبعين
444
رسائل ابن سبعين
والعرض ما يصلح بالمهاجر والمهجور ، فإن أدب التحقيق على أنحاء وهو الذي يجيب بالعفو عنه دعوة السائل ، ويفرج من شأنه ، وأصله بقول القائل ، وتقرأ الآية : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [ الأعراف : 199 ] . وتذكر عقبها الحديث المشهور الذي تقدم فيمن أحب وورد في وصاياه وتأخر وظهر وحكم في مكارم أخلاق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى جميع الأنبياء ، وهو : « صل من قطعك وأعط من حرمك واعف عمّن ظلمك » « 1 » . ونملي الإجماع الذي هو الاتفاق بين علماء العالم وحكمائه على أن مكارم الأخلاق صورة متممة ومقومة للحكيم والحكمة ، وأنشد قول الشاعر : وإني وإن أوعدته أو وعدته * لمخلف إيعادي ومنجز موعدي ونصف المثل الجاري : ( العاقل مطية الأحمق ) ونأنس نفسي به ، ومن نهجره ونقسم في مقاطعته بالقسم المذكور ، فلا سبيل لأحد عندي في نيل شفاعته فيه ، فإنه أعسر وجودا من المحال المتعب بماهيته ، ولا يمكن أن يسعف فيها الشفيع حتى يضطر القديم للصاحبة والنديم ، وتنفذ ماهية العديم وتلا هذه الآية : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [ فاطر : 8 ] ، الآية ، وتشفع مفهوم شأنها بالحديث : « اللهم حوالينا ولا علينا » « 2 » . وكما صرفته عنا فلا تردّه إلينا . ونخلص مقصود الجميع بانعقاد الإجماع على أن مقابلة الفاسد من وجوه النظر وينشد عزمي : وإن كنت قد ساءتك منّي خليقة * فسلّي ثيابي من ثيابك تنسل ونذكر المثل المشهور : « العدو العاقل أحسن من الصديق الجاهل » . ونشرح مفهومه بقول الحكماء : من لا تنفعه نفسه ادفعه بالعزم والحزم لئلا تهلك هويته وآنيته . وتفسير صورة هذا كله بقولهم : لا تضرب في حديد بارد . وبالجملة : حمل الأدب مع أهله أمان ، وكما تدين تدان ، كفى به قدرا ، والمؤمن من لا يضر نفسه بمضرتين ، ولا يلدغ من جحر مرتين ، ويطلب مصالحه ويمتثل قول الصادق صلّى اللّه عليه وسلّم :
--> ( 1 ) رواه ابن ماجة ( 1 / 260 ) ، وأحمد ( 4 / 148 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 1 / 315 ) ، ومسلم ( 2 / 614 ) .