ابن سبعين

432

رسائل ابن سبعين

ماهيته ، لا أنها محمولة عليه مبثوثة فيه ، ولا كما هي في الجواهر الروحانية المذكورة ؛ بل هي وحدانية محضة ؛ لأنها مبسوطة في غاية البساطة والتنزيه ، والعلم بأن الذات الأزلية فوق ما يتوهم الحكيم بصنائعه ، وفوق كل اسم تسمى به ؛ لأنها لا يليق بها تعليل الصنائع ، ولا يفرض التمام والنقصان عليها ، لأن الناقص غير تام ، ولا يستطيع على تكميل شيء ، ولا أن يفعل فعلا تامّا . والتام وإن كان مكتفي الوجود بنفسه ، فإنه غير قدير على إيجاد الأشياء المذكورة قبل ، والعلم بأن الروح الكلي الذي يطلق بأسماء مختلفة وينوّع منه الاسم عند الحكماء وأهل الحق من الشرائع ، ويعرف موجده ويدبر بعض الأشياء ، وبالذي يدبره هو إلهي ، وهو للّه خاصة ، وبالذي يعلمها هو عقل ، فإن خاصة العقل العلم ؛ بل ماهيته العلم وكماله وتمامه أن يكون مدبرا عالما ، والعلم بأن واجب الوجود موجود مع الأشياء ، ومقوم لوجودها على حالة واحدة ، وليست الأشياء المنفعلة المخترعة موجودة فيه على حالة واحدة ، كل شيء من الجواهر الروحانية يأخذ منها بقدر قوته ، وبالذي جعل فيه من القبول . ومنها ما يقبله قبولا واحدا ، ومنها بضد ذلك ، ومنها ما يقبله قبولا دهريّا ، ومنها ما يقبله قبولا زمانيّا ، ومنها ما يقبله قبولا روحانيّا ، ومنها ما يقبله قبولا جرمانيّا ، والعلم بأن الأول الحق في غاية من التنزيه ، وأن وحدته تامة ، وأنه منزّه عن الذي قاله الرواقيون ، فإنهم يعتقدون أنه ناشب في الأشياء ، وأنه لبس كرة العالم ، وهو بالبرهان ألزم وأوكد في الأشياء مما قالوه ، فلا أدركوا حقيقة التنزيه ، ولا قدروا اللّه حق قدره ، والعلم بأن الجواهر العقلية غير متكونة من متقدم عليها يكون مثلها ، وكل جوهر قائم بذاته فهو غير متكون من شيء آخر ، وإنما أوله وسببه وأصله وبده كلمة الحق التي تتعلق بالمعدوم وتوجده وتتعلق بالموجود وتعدمه ، وتتعلق بالحادث وتتركه على حاله ، وبالجملة هي القائمة على كل شيء ومبدعة كل شيء ومبقية كل شيء . والعلم بأن كل جوهر قائم بنفسه قد خصصه الحق وأبرزه لمطالعة جلاله ، وأظهر عليه كل شرف محمود ، فإنه غير واقع تحت الفساد ، والعلم بأن كل جوهر متغير دائر غير ثابت على حالة واحدة فهو إمّا تحت الأشياء المتركبة ، وإمّا محمول على موضوع أخر غير ذاته ، وذلك أن الجوهر إمّا أن يكون منتقضا إلى الأشياء التي منها تكون فيكون مركبا منها ، وإمّا أن يكون محتاجا في ثباته وقوامه إلى حامل ، فإذا فارق حامله فسد ودثر ، فإن لم يكن الجوهر مركبا ولا محمولا كان مبسوطا ، وكان دائما لا يدثر ولا ينتفض البتة .