ابن سبعين
427
رسائل ابن سبعين
وللعلماء في ذلك منازع مخلّصة وملخّصة ، وللسائل أن يقول : مفهوم هذه الآية المذكور فعله بغير أمر ، أعني الإذن الذي نبه عليهم كما فعل بالأسرى في يوم بدر فعاتبه اللّه على ذلك ، ويمكن فيه أنه أخبره أن يمسك القضاء في الأمور المحتملة حتى يخصها ، بخلاف ما نحن عليه ، وهذا تعظيم له وأخبار بمزيته وشرف مرتبته ، وكأنه قال له : الأمور التي تحتمل أمرين فصاعدا ، ويجتهد الغير فيها ، ويعذر في اجتهاده كف أنت القضاء فيه بالاجتهاد المذكور ، فإنك تعلم بالوجه الصحيح الذي لا احتمال فيه ، واطلب أمورك كلها بكليات الوحي ، وبه احكم وعليه عول فاطلب . فكان ذلك خيرا عظيما ، وتقريرا على مكانته صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويمكن في هذه الآية أن اللّه عز وجلّ قال لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [ التوبة : 43 ] ، حتى تعلم الصادق ، والذي يمشي نحو الصواب ، والكاذب الذي لا خير فيه ، ويمكن أنه أمره بإخراج الجميع فأخرج البعض ، ويمكن أنه أراد تعلم العفو قبل العتاب ؛ إظهارا لكراماته ، ومراعاة لطيب نفسه ، والمختار صلّى اللّه عليه وسلّم لم يركب قط محظورا ، وإنما ، واللّه أعلم ، ترك اللّه فعاتبه اللّه ، وقدم لكرامته العفو على الخطاب الذي جاء في صورة العتاب . ومن جوز الخطأ على الأنبياء قال : قابله بالعفو قبل أن أوقفه على ذنبه للفوز بمحبته ، فإن حسنات الأعداء مردودة ، وسيئات الأحباب مغفورة . وقد يمكن أنه أراد بذلك عز وجلّ التقرير على جهة التعليم ، واستفتح الخطاب بالعفو جعله أول الكلام كما تقول : « السلام عليك ورحمة اللّه » أو « رضي اللّه عنك » في بعض المخاطبات أول كلامك . وقد اختلف المفسرون : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [ الفتح : 2 ] . فقال الأكثرون : ما تقدم قبل الرسالة ، وما تأخر بعدها ، وقال أخرون : ما تقدم من ذنب أبيك آدم ، وما تأخر من ذنب أمتك ؛ لأن بك تبت على آدم ، وأنت شفيع لأمتك فيمنن بذلك عليه . وقال آخرون : ما تقدم من ذنبك : أي من ذنب أبيك إبراهيم ، وما تأخر من ذنوب النبيين من أجلك تبت عليهم . وقال آخرون : ما تقدم من ذنبك يوم بدر ، وما تأخر من ذنبك يوم هوازن ، وذلك أنه
--> الثالث : اشتباه المنهي بالمباح . وانظر : الصحائف الإلهية ( ص 173 ) .