ابن سبعين
418
رسائل ابن سبعين
والمشهور والقياس ، وغير ذلك قد فرغ منه عند العلماء العقلاء ، فاحكم بالعلامات في موطنها ، ولا تزد ولا تنقص فيها ، وبالمعقول في مكانه ، وبالمحسوس على مدركه ، وبالمقبول على مدلوله ، وبالمشهور على مخبره ، ولا تخرب نظام شيء من هذه القواعد الشرعية والعادية والعقلية فتكون من أهل البدع ، أو ممن تسقط مكالمته ، أو ممن خالف الإجماع ، واللّه تعالى يعين على معرفته . فصل : التوبة من الأنبياء موجبة ومعقولة على كثيرين فمنها ما نعلم نحن متعلقه ، ومنها ما لا نعلمه ، ومنها ما نعلم جنسه ونجهل نوعه ، ومنها ما نجهل نوعه ونعلم شخصه . فصل : « استغفار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في اليوم سبعين مرة « 1 » » يفهم منه جملة معان ، وتتوجه فيه جملة وجوه ، وقد يصرف عن ظاهره ، وقد لا يصرف ويحمل على مفهوم ما اشتق منه في الأصل اللغوي ، ويقاس به وهو المغفر الذي يستتر به الحرب ، وقد لا يحمل ، وبالجملة الأمر فيه كثير الاحتمال . وهذا أنا أذكر لك فيه ما يصلح به ونقبض العنان ، ونحتاط على فهمك ، وفهم طلبة عصرك ، وبعض شهود مصرك ، سنقول : يمكن في أمره أنه قد أراد ماهية العبادة ، وحمل أمره على الطاعة الجارية على كل مكلف ، وحقق علامات الحق فيه ، وما يجب فيه من إمكان النقص المقدر في الحادث ، وما عصم منه ، وعرف قدره من قدر القديم ، ويمكن أنه أراد به الأمور الأكثرية المحمولة على التعظيم ، وإلا المائة أكثر فضيلة من السبعين ، وهذا العدد المذكور غير لازم للاستغفار ، وخارج عن سنته وفرائضه ، ويمكن أنه أراد به الاستعانة على الأحوال مع التسوية إمّا على ما ذكرناه من معقوله في أصل اللغة ، وأمّا من كونه يرغب به ، ويكون القول ظاهره الذكر وباطنه الدعاء . وهذا أحسن ما يتخلق به العبد مع مولاه ، ويشغله ذكره عن مسئلته كما جاء في الحديث الصحيح ، ويمكن أنه أراد به حاله الخاص به ، وزمان توجه في مآربه ، ويكون هذا متفق المعنى مع قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ينزل ربنا إلى سماء الدنيا ثلث الليل الآخر » « 2 » الحديث ،
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 5 / 2324 ) . ( 2 ) رواه مسلم ( 1 / 521 ) ، والترمذي ( 2 / 306 ) ، وأحمد ( 2 / 419 ) ، والدارمي في السنن ( 1 / 412 ) . وقال سيدي علي وفا : اسمع : جاء في الحديث : « ينزل » : أي يتجلّى بأنواره المرسلة منه على قوابلها الموضوعة بالاستعداد لحملها ، « ربّنا » : أي وجودنا المدرك الحكيم ، « في كل ليلة » : أي صورة مادية ، « إلى سماء الدّنيا » : أي إلى مجمع مداركها ، « في ثلث الليل الأخير » ؛ لأنها ثلاث