ابن سبعين
398
رسائل ابن سبعين
مضافها المنفعل خاصة ، وتحمل على معنى الأنعام ، وتمسك على التأمل في محركها الأول تجعل من لواحق القدرة ، والإرادة ، وقيل فيها صفة فعل . والرحمن والرحيم اسمان مأخوذان منها ، ومعناها واحد عند أهل الكلام ، والعفو أعم من الغفران ، فإن العفو يقع على كبائر الذنوب ، وعلى صغائرها ، ويطلق بتشكيك مع التنبيه ، ومع من يقع في الخبر والعزم داخل الذهن ، وإن لم يخرج للفعل ، والغفران لا يتعلق إلا بالذنوب ، ولا يقال إلا عليها خاصة ، وقد تطلق الرحمة العفو والغفران بترادف ، إلا أن كلّ عفو وغفران رحمة ، وليست كل رحمة عفوا وغفرانا ، والرحمة أعم من الرضوان ، وكل من رضي عنه رحم ، وليس كل من رحم رضي عنه ، واللّه تعالى رحيم غفور ، ذو الانتقام شديد العقاب ، ذو الطّول يعفو وينتقم ، ويرضى ويغضب ، له الصفات العلى والأسماء الحسنى . فالخلق متردّدون بين أحكام صفاته وجودا وعدما ، رضى وغضبا ، عطاء ومنعا ، عذابا ونعيما ، غنى وفقرا ، صحّة وسقما ، جاها وخمولا ، خفاء وظهورا ، وهو الكريم الذي يعطي بالمسئلة ، وهو الوهاب الذي يعطي بغير مسئلة ، ولا خير في الوعيدية ، ولا خير في المرجئة ، فإن الوعيدية تقول : إن اللّه لا يغفر ذنبا ، والمرجئة تقول : إن اللّه تعالى لا يؤاخذ بذنب ، فأبطلت الأولى رسم التوحيد ، وأبطلت الثانية وجه التكليف ، وعطلتا حكم علتين ، واسمين حسنين للباري سبحانه ، وكأنهما لم تقرأ قوله تعالى : حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [ غافر : 1 ، 2 ، 3 ] . ومن نظر إلى الرحمة ، وتعلق باسم الرحمن « 1 » ، وفكر في الرحمانية طاب عيشه ، وحسن أنسه وأنيسه ، وسبح في بحر الرجاء ، وغرق في مدلوله ، ويمكن منه أن يصيبه ، وله حتى يقول ، أو يقول له حسن ظنه كل موجود سوى اللّه الحق تعالى ، تقال عليه الرحمة ، وتقوم به وتفعل فيه وتلحقه .
--> ( 1 ) فإن ( الرحمن ) وصف عام ، فهو رحمان الدنيا والآخرة ، يشمل أهل القبضتين في الدنيا ، ومن له مزج في ذلك كمن يولد كافرا ويموت مؤمنا وبالعكس ، وكمن أخبر عنه صادق بأنه مؤمن ، وكان بحسب الظاهر كافرا ، فهذا كله من متعلقات الرحمن : أي رحمته تشمله ، ومن كان من أهل قبضة السعادة فإن له رحمة خاصة لا ينال غيره منها شيء وهي رحمة الرحيم ، فتم العالم بهذه الأسماء الثلاثة دنيا وأخرى . وانظر : كشف الأسرار للعطار ( ص 121 ) بتحقيقنا .