ابن سبعين

395

رسائل ابن سبعين

والذي يبلغ هذه الدرجة أدرك المقصود ، والقدماء تكلموا في الغاية الأولى ، ولم يفهموا الثانية ، وخبطوا خبط عشواء . فنقول : إذا كان مراد المحقق والمحب الوصول إلى ما حققه أو أحبه ، وبقي بينه وبين محبوبه فصل مشترك ، فلا وصول ، والحب إذا حققته هو الاتحاد بالمحبوب ، وهذه رتبة الصوفية ، وزعمت أن المقصود من العلم الإلهي هو الفناء ، والعجز عن درك الإدراك إدراك عندهم ، وأن الوجود المطلق هو الحق الذي إذا علمه المقيد تلاشى ، وذهب وقسموا الوجود إلى مطلق ومقيد ومقدر ، والالتذاذ لا يكون إلا بعد الاتصال ، ولهم في ذلك كلام طويل ، وهم أقرب إلى الحق من القدماء ، وإن كانت مقدمات القدماء علمية ، فمقدمات الصوفية خلقية ، فالمقصود عند الصوفية الأصفياء رضي اللّه عنهم هو الوجد والفناء ، والسعيد عندهم بحسب ما يثبت له ذلك ويجده . والعلم الإلهي عندهم الفكر والذكر الأكبر ، والتعرض لنفحات الرحمة الرحمانية ، وركود الحواس والعمل بما يرد على القلب ، وتصريف القوى الروحانية ، وتخلية القلب من غير اللّه تعالى ، وتحليته بذكره جل وعلا ، والجد في العمل ، فهذا مذهب الصوفية في العلم الإلهي ما هو . ومن كلامه رضي اللّه عنه : العقل عند الأشعري غير الروح وعند الحكيم قولك عقل وقوة مجردة ، ونفس ناطقة ، أو روح أسماء مترادفة . والروح عند علماء الصوفية غير ما ذكر « 1 » : تارة يطلقونها على الحق الذي قامت به

--> ( 1 ) والأصل فيه قوله تعالى : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : 29 ] ، وقوله تعالى : وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ [ السجدة : 9 ] . اعلم أن هذه الإضافة إضافة تشريف وإظهار بأنه خلق عجيب ومخلوق شريف ، وإن له شأنا لأنه جعل فيه الشيء الذي اختص تعالى به ، ولذلك أضافه إليه فصار بسبب ذلك حيّا حساسا بعد أن كان جمادا . والروح اختلف العلماء هل يجوز الخوض فيها أم لا ، فذهب قوم إلى أن الإمساك عنها أولى ، وذهب آخرون إلى الكلام فيها ، والمتكلمون فيها اختلفوا هل هي عرض أو جرم لطيف يحل بالأجرام ، كحلول الماء في العود الأخضر ، والحكماء يقولون هي اللطيفة المدبرة للجسد حيوانا كان أو غيره ، وهذه اللطيفة مختلفون فيها ، فمنهم من قال : إنها الريح فهي عندهم في الحيوان روح ، وفي الهوى ريح ، فالأولى تحرك الحيوانات ، والأخرى تحرك الجمادات ، ومنهم من قال : إنها ماء الجسد المشتبك فيه اشتباك ماء العود الأخضر به ، وهذا الماء عند الفلاسفة هو الدم ، وعند غيرهم ما صحّ منه التركيب البدني ؛ لأنهم إذا ذهب ذهب تركيب البدن ، وهذه الأقوال وإن كانت