ابن سبعين
39
رسائل ابن سبعين
يترتب على اعتقادهم هذا ؛ لأنهم أهل عقول وأفكار ، فإذا قيل لهم يلزم على قولكم هذا تركت الحق سبحانه وتعالى من عامّ وخاصّ كبقية الماهيات الحادثة انتحلوا بعقولهم جوابا أسكتوا به خصمهم ، وبقوا على اعتقادهم ذلك ، واللّه يعلم المفسد من المصلح ، فإن الحلول على الحقّ سبحانه وتعالى في الحوادث يتصور عندهم عقلا ، فيحتاجون إلى إقامة الدليل على استحالته وامتناعه ، ويتكلّفون في ذلك كما بسط الكلام عليه في كتب علم الكلام ، وأما عند المحققين من أهل اللّه تعالى أصحاب الأذواق الوجدانية فلا يتصور الحلول عندهم أصلا ، فلا يحتاجون إلى إبطاله ؛ لعدم تصوره عندهم ، وعدم خطوره في بالهم ؛ فإن وجود الحق تعالى وجود حقيقيّ ليس بمفهوم لهم أصلا ، وإنما عندهم التصديق به على المغيب ، ووجود الحوادث أثر من آثار قدرته ، وذلك بالنسبة إلى وجوده تعالى عدم صرف ، فكيف لوجود يحلّ في العدم حاشا وكلا ! وإذا بطل الحلول بطل الاتحاد بالأولى ، وكل الضلالات التي تفهمها علماء الظاهر من كلام المحققين من أهل اللّه تعالى ، ويشنّعون بها عليهم بين العوامّ والجهّال ؛ لتنقص رتبتهم عندهم ، ويحظون بالرفعة في الدنيا ، واللّه يؤتي ملكه من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم انتهى كلامه . وقال الشيخ محيي الدين قدّس سرّه في « عقيدته الصغرى » : تعالى اللّه أن تحلّه الحوادث أو يحلّها . وقال في « عقيدته الوسطى » : اعلم أن اللّه تعالى واحد بالإجماع ، ومقام الواحد يتعالى أن يحلّ فيه شيء ، أو يحلّ هو في شيء ، أو يتحد بشيء . وقال في الباب الثالث من « الفتوحات » : اعلم أنه ليس في أحد من اللّه شيء ، ولا يجوز ذلك عليه بوجه من الوجوه . وقال في « باب الأسرار » : لا يجوز لعارف أن يقول : أنا اللّه ، ولو بلغ أقصى درجات القرب ، وحاشا العارف عن هذا القول حاشاه ، إنما يقول : أنا العبد الذليل في المسير والمقيل . وقال في الباب التاسع وستين ومائة : القديم لا يكون محلا قطّ للحوادث ، ولا يكون حالا في المحدث . وقال في باب الأسرار : من قال بالحلول فهو معلول ؛ فإن القول بالحلول مرض لا يزول . وقال فيه أيضا : الحادث لا يخلو عن الحوادث ، ولو حلّ بالحادث القديم لصحّ قول أهل التجسيم ، فالقديم لا يحلّ ولا يكون محلا ، ومن ادّعى الوصل فهو في عين الفصل .