ابن سبعين
382
رسائل ابن سبعين
أفعال السعداء ؛ لأن من أسرف في الجود كان مبذرا ، كما أن من أسرف في الحفظ كان مقتّرا ، ومن أسرف في الشجاعة كان متهورا ، كما أن من أسرف في الحذر عد جبانا ، ومن تجاوز حد الحلم كان مستبدّا ، كما أن من تعدّى في الانتصار عد حزما ، ومن أفرط في قلة الكلام كان مستجهلا ، كما أن من أفرط في الإكثار منه كان مهذرما ، والتأدب بتأديب اللّه جل ثناؤه ، وأدب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هو الطريق الذي من سلكه اهتدى ، والمقصد الذي من قصده آمن من بوائق الردى . قال جل ثناؤه يمدح قوما : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً [ الفرقان : 67 ] . حكى الحارث بن أبي أسامة عن العباس بن الفضل عن أبي عبد اللّه التميمي قال : أخبرني الحسن بن عبد اللّه قال : حدثني من سمع النابغة الجعدي يقول : أتيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم فأنشدته : ولا خير في حلم إذا لم تكن له * بوادر تحمى صفوه أن يكدّرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له * حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يفضض اللّه فاك » « 1 » . فصل : البحر إذا ركبته ، فاعلم أنك على حاشيتي النقيض ، فلا تهمل الواجبات في أوقاتها ، ثم التزم الصمت ، فإذا حللت بساحل الطور لا تتطور ، وأعرض وجه أعراضك ، ومدلول رأيك على من يحبك ، ولا تخالط إلا الأمثل فالأمثل ، والخلوة أفضل ، والخمول أوصل ، فمن يرشدك إلى إصلاح عادتك شد على لازم أمره يد الغبطة والعناية ، ولازم دارك . فصل : متى قام بك خاطر العزم على السفر ، فانظر في الراجح والمرجوح من الجهات الأربع ، واقصد إليه ، ثم لا تدخل الطريق إلا بناموس أهل الطريق ، ولا جناح عليك في ترجيح أحد المقصدين ، إذ كنت في ذلك كله نحو الصواب ، وإذا تعذر أمر السفر إلى بقعة المناسك ، حينئذ تفعل كل الذي ذكر في هذا الفصل . فصل : جميع من يحضك من الفقراء على الخير الممكن ، ثم يخرجك إلى مقر هو به ، فانظر في لازم أمره ، وفي غايته ، فإن كان مجهول الرشد اترك الخير لأجل شر متوقع . فصل : المحب الناصح قد لا يكون من العقلاء مع وجود الصفتين ، فاحكم بما يشهد له
--> ( 1 ) رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده ( 2 / 844 ) ، كما في زوائد الهيثمي .