ابن سبعين
361
رسائل ابن سبعين
يستجلب المتأخر ، ويلزم عنه أو منه أو به أو فيه ؛ لأن هذا المعنى الذي نحن بسبيله لا يسوغ فيه ذلك ، فإنه بعد الصنائع ، وبعد مقاصدها ، وتنبه بها الضمائر من ورا ورا ، وهو عين العين ، بل هو هو ، بل هو الواحد ، وأردت بهذا الإكسير الشيء الذي يضمن غيره في وقت ، ويولده في أخر ، ويفعله كذلك ، أو يكون سبب السبب ، وقد ينعكس على الأول ، وقد لا يوجبه ، ويكون هو هو ، وقد يكون له تحت الملكة والاختيار ، لا تحت الارتباط والالتزام . فنرجع إلى اللذة ، فنقول : قد تقال مع الأنس بترادف ، وقد لا ، وقد تقال معه بتقديم وتأخير ، وقد لا ، وقد تقال معه بتشكيك ، وقد لا . والمستحسن والموافق والملائم والملذوذ كل ذلك من أجزاء ماهية اللذة ، وهي تمتد على جملة مراتب لا في حدها ، وتطلق على أنحاء من جهة الأقل والأكثر والأقوى والأضعف والأكمل والأنقص ، وتعتبر من جهة مضافها الرئيس والخسيس ، فإن كان جليلا قيل فيها جليلة ، وإن كان خسيسا قيل فيها خسيسة ، وهي بالنظر إلى ماهيتها الكلية العرية عن اللواحق المنطقية والطبيعية معنى لا يتبدل ، إمّا العمر كله ، وإمّا في أكثر الزمان إلى الشيء الذي لا هو . وكذلك الإنسان لن يصاحبه بحسب ما ذكر في حياته ، وبعد حياته ، وأجل ما تحتويه اللذة بالهمة ، وبها تعلم ، وهي تدور على الحب ، ويدور عليها ، وتجذبها الإرادة بوجه ما خفي وجلى ، وقرارها في عين الرضا ، وهي قربها ، وهي نقطة من أجلها هي دائرة المباحث والمطالب ، فإن لكل متوجه خبرا ما يتشوق إليه ، أو لذة ما يطلبها ، ومن مضافها ، ويحقر أو يعظم ، ولولا الفكر في لذة الأفضل لم ينتقل عن لذة الخسيس ، ولا طلب عليها زيادة ، قال تعالى : كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [ المؤمنون : 53 ] . ومن قرّ عينا بعيشه نفعه : أي تلذذ به واستحسنه ، معقولها واحد ، وأحوالها مع مضافها كثير . وكما أن الجنة هي مثل الدنيا في معقول موضوعها ومحمولها ، وهي غيرها بالنظر إلى أحوالها ، وإلى أحكامها كذلك اللذة في أمرها ، ومنها طبيعية ونفسانية وعقلية ومتوسطة ومركبة من ذلك ، والإلهية موجهة إلى الفاعل والمنفعل ، وإلى الطالب والمطلوب ، ومنها ما هي مركوزة في جوهر السعيد ، وهي تصدر منه عنه ، ويجدها إذا انصرف إلى نفسه لا سيما إذا ترك حواسه ، ورفض العالم المحسوس ، وتشبه باللطيف منه ، وكان كالمفارق عنده ، وتوجه بالمفارق إلى المفارق ، واستكن إلى سكينة الملاحظة ، وخطف سوابق