ابن سبعين

36

رسائل ابن سبعين

سارت مشرقة وسرت مغربا * شتّان بين مشرق ومغرب ثم أرسلها إلى الحافظ ، فتنبّه الشيخ لأمر كان عنه غافلا ، ثم أذعن لأهل الطريق ، وصحب للّه الشيخ أبا مدين حتى مات رحمة اللّه تعالى عليهم أجمعين . ونقل الإمام القزويني في كتابه « سراج العقول » عن إمام الحرمين : أنه سئل عن كلام الصوفية ، فقال : لو قيل لنا : فقولوا ما يقتضي التكفير من كلامهم مما لا يقتضيه لقلنا هذا طمع في غير مطمع ؛ لأن كلامهم بعيد المدرك وعين المسلك ، يغترف من تيار بحر التوحيد ، ومن لم يحط علما بنهايات الحقائق لم يحصل من دلائل التكفير على وثائق ، كما أنشد بعضهم في هذا المعنى : تركنا البحار الزّاخرات وراءنا * فمن أين يدري النّاس أين توجّهنا وسئل شيخ الإسلام تقي الدين السبكي عن حكم غلاة المبتدعة وأهل الأهواء والمتفوّهة بالكلام على الذات المقدّسة ؟ فقال : اعلم أيها السائل أن كل من خاف من اللّه عزّ وجل استعظم القول بالتكفير لمن يقول لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه ؛ إذ التكفير أمر هائل عظيم الخطى ؛ لأن من كفّر شخصا فكأنه أخبر أن عاقبته في الآخرة الخلود في النار أبد الآبدين ، وأنه في الدنيا مباح الدم ، والمال لا يملك مسلّمة ، ولا تجري عليه أحكام المسلمين في حياته ولا بعد مماته ، والخطأ في ترك ألف كافر أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم امرئ مسلم ، وفي الحديث : « لأن يخطي الإمام في العفو أحبّ إلى اللّه تعالى من أن يخطي في العقوبة « 1 » » . ثم أن تلك المسائل التي يفتى فيها بتكفير هؤلاء القوم في غاية الدقة والغموض ؛ لكثرة سعتها ، واختلاف قرائنها ، وتفاوت دعاويها ، والاستقصاء في معرفة الخطأ من سائر صنوف وجهه ، والاطّلاع على حقائق التأويل وشرائطه في أماكنه ، ومعرفة دلائله في التوحيد وغوامضه إلى غير ذلك مما هو متعذّر على أكابر علماء عصرنا ، فضلا عن غيرهم ، وإذا كان الإنسان يعجز عن تحرير معتقد في عبارة فكيف يحرّرها اعتقاد غيره من عباراته ! فما بقي الحكم بالتكفير إلا لمن صرّح بالكفر ، واختاره دينا ، وجحد الشهادتين ، وخرج عن دين الإسلام ، وهذا نادر وقوعه ؛ فالأدب الوقوف عن تكفير أهل الأهواء والبدع والتسليم للقوم في كل شيء قالوه مما لا يخالف صريح النصوص انتهى . وذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني في « مقدمة الطبقات » قال : أخبرني الشيخ أمين

--> ( 1 ) رواه البيهقي في الكبرى ( 8 / 238 ) .